حين يصبح الحقل مصدر السم: قراءة في الأزمة الصامتة للتلوث الزراعي بتونس

حين يصبح الحقل مصدر السم: قراءة في الأزمة الصامتة للتلوث الزراعي بتونس

فهرس المحاور

في شهر ماي المنقضي، قدّمت جمعية المساءلة الاجتماعية بتونس، خلال ندوة صحفية، دراسة وثائقية حملت عنوانًا مثيرًا للقلق: "التلوث الزراعي في تونس: بين جمود النص القانوني وتحولات الواقع الميداني". الدراسة، التي أنجزتها الجمعية بالشراكة مع مؤسسة فريدريش ناومان الألمانية، خلصت إلى استنتاج لا يحتمل المواربة: التلوث الفلاحي لم يعد خللًا عابرًا، بل تحوّل إلى أزمة هيكلية تهدد أسس التوازن البيئي وجودة التربة واستدامة الموارد المائية وصحة الإنسان في الوقت ذاته.

لكن ما لم تحط به الدراسة بالتفصيل، هو أن هذه الأزمة ليست حالة تونسية معزولة، بل جزء من شبكة أوسع من المصالح المتشابكة، تمتد من مخابر الكيمياء الأوروبية الكبرى إلى موائد المحاكم الأمريكية، ومن ضفاف وادي مجردة المتعفنة إلى أروقة البرلمان التونسي حيث تنتظر مجلة مياه جديدة المصادقة منذ سنوات.

يحاول هذا التحقيق أن يضع الدراسة في سياقها الأوسع، مستندًا إلى تحقيقات صحفية تونسية ودولية، وأحكام قضائية، وبيانات مؤسساتية رسمية، لإعادة بناء الصورة الكاملة لظاهرة لا تزال، رغم خطورتها، تعيش في الهامش الإعلامي والسياسي.

تلوث الأراضي الزراعية

علاقة الشمال والجنوب: المحظور داخليًا، مسموح به للتصدير

لفهم عمق المشكلة، يكفي العودة إلى تحقيق نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية في شهر ماي من عام 2019، الذي كشفت حينها أن تونس تحتل المرتبة الثالثة عالميًا، بعد اللاوس وقبرص، في قائمة الدول المصدرة لأوروبا لمنتجات فلاحية تحمل آثار مادة "الكلوربيريفوس" (Chlorpyrifos)، وهي مادة فعالة في عدد من المبيدات الحشرية، أثبتت دراسات علمية أنها تسبب تأخرًا في حاصل الذكاء لدى الأطفال المعرضين لها عبر الغذاء.

يُفسر الباحث التونسي بأكاديمية بيت الحكمة العربي بوقرة في تصريح صحفي مفارقة صادمة استشفها بعد صدور التحقيق الصحفي الفرنسي تكمن في أن هذه المادة "الكلوربيريفوس" كانت لسنوات موجودة في خمسة مبيدات مرخصة رسميًا من قبل وزارة الفلاحة التونسية، كما تبيّنه قائمة المبيدات المرخص لها من طرف وزارة الفلاحة عام 2017.

تسأل الباحث قائلا:
"أين اتحاد الفلاحين؟ لماذا لا يتحرك وهي يعلم بخطورة الكلوربيريفوس؟ هل يمس ذلك بمصالح معينة؟".

لم يكن السؤال بلاغيًا فحسب، بل كان تشخيصًا دقيقًا يثبت من خلال تقفي طريقة عمل إدارات الإرشاد الفلاحي في تونس، التي يُفترض أن تكون مستقلة عن مصالح بيع المبيدات، حيث أصبحت في كثير من الأحيان جزءًا من سلسلة تقاطع المصلح التجارية نفسها.

هذا الواقع المحلي ليس استثناءً، بل هو الوجه التونسي لظاهرة عالمية وثقها تحقيق دولي مشترك صدر في ديسمبر 2025 عن منظمتي "Public Eye" و"Unearthed"، كشف أن دول الاتحاد الأوروبي وشركاتها الكيميائية صدّرت في سنة 2024 وحدها نحو 122 ألف طن من المبيدات الزراعية المحظورة استخدامها داخل الاتحاد الأوروبي، موجهة إلى عشرات الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

التقرير وثّق كذلك تصدير 75 نوعًا من المبيدات الحشرية المحظورة إلى 93 دولة حول العالم، فيما استقبلت القارة الأفريقية وحدها نحو تسعة آلاف طن من هذه المواد في عام واحد.

واللافت للانتباه انّ الدول المصدرة هي كل سويسرا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا أي أنها الدول نفسها التي تحظر استخدام هذه المواد على أراضيها وتطبق معايير صارمة في خصوص واردتها من المنتجات الفلاحية، بينما تسمح لشركاتها بتصنيعها وبيعها لأسواق الجنوب. هذا ما يسميه الباحثون "ازدواجية المعايير في تجارة السموم الزراعية".

المبيدات الكيميائية

فضيحة الشركة الألمانية BASF

إذا كانت دراسة جمعية المساءلة الاجتماعية قد أرست الإطار التحليلي للمشكلة، فإن دراسات وتقارير صحفية أخرى من بينها مقالا نشرته جريدة الصباح التونسية، تحت عنوان "فضيحة صحية من الحجم الثقيل.. مبيدات فلاحية مسرطنة تباع للتونسيين"، ذهبت جميعها إلى أبعد من التوصيف، لتطرح أسئلة مباشرة وصريحة على واحدة من أكبر شركات الكيمياء في العالم وهي شركة BASF الألمانية.

وفق تقارير رسمية ثبت أن كميات كبيرة من المبيدات الفلاحية، المصنّفة مسرطنة والمثبتة أضرارها مخبريًا على الإنسان والبيئة، والمحظورة فعليًا في الولايات المتحدة وعموم دول الاتحاد الأوروبي، لا تزال تُباع وبشكل واسع للفلاحين التونسيين، بعلم وأحيانًا بموافقة ضمنية من وزارتي الفلاحة والصحة رغم تلقيهما (الوزارتين) لمراسلات رسمية من الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري تطالب صريحًا بإيقاف توريد واستعمال هذا النوع من المنتجات، دون تسجيل أي تفاعل رسمي مع تلك المراسلات.

القصة تعود إلى عام 2015، حين طرحت مونسانتو بذورًا معدلة وراثيًا مقاومة لمبيد " Dicamba "، ثم دخلت BASF كشريك أساسي في تسويق المبيد المخصص لهذه الزراعات.

كانت الشركتين تؤكدان للمزارعين والسلطات الرقابية أن الصيغة الجديدة من Dicamba أكثر استقرارًا وأقل قابلية للانتشار خارج الحقول المستهدفة.

لكن سرعان ما بدأت تظهر شكاوى من آلاف المزارعين في الولايات المتحدة بسبب ظاهرة "انجراف المبيد" (Drift)، حيث كانت جزيئات Dicamba تنتقل عبر الهواء إلى حقول مجاورة، متسببة في أضرار واسعة للمحاصيل غير المقاومة له.

وقدرت تقارير أمريكية أن آلاف الهكتارات من المساحات الزراعية تضررت خلال سنوات قليلة فقط من طرح هذا المنتج.

في عام 2020 أدانت هيئة محلفين أمريكية شركتي BASF وBayer وشركات أخرى في قضية رفعها مزارع الخوخ الأمريكي بيل بادر، الذي أكد أن مبيد Dicamba ألحق أضرارًا جسيمة بزراعاته وأشجاره المثمرة في ولاية ميزوري. وحكم القضاء لصالحه بتعويضات ضخمة ضد الشركتين، قبل أن تستمر المعركة القضائية في مراحل الاستئناف اللاحقة.

تكمن أهمية هذه القضية بالنسبة لتونس في أنها تسلط الضوء على إشكالية أوسع تتجاوز Dicamba نفسه، وهي مسألة مسؤولية الشركات متعددة الجنسيات في تسويق المبيدات الخطرة أو المثيرة للجدل في دول الجنوب، والقدرة الفعلية للدول على تقييم المخاطر بشكل مستقل وعدم الاكتفاء بالملفات المقدمة من الشركات المصنعة.

كما أن BASF كانت من بين الشركات التي تعرضت لانتقادات من منظمات بيئية دولية بسبب استمرار تصدير بعض المواد الكيميائية إلى أسواق خارج أوروبا من بينها تونس رغم تشديد القيود عليها داخل الاتحاد الأوروبي، وهو الجدل نفسه الذي يطرح اليوم في تونس بشأن المبيدات المصنفة "شديدة الخطورة" والمتداولة في القطاع الزراعي.

قضاء جامد، أجهزة مفككة ومسؤولية مشتتة

بعيدًا عن الدراسات والتقارير الصحفية، قدّم القضاء التونسي بنفسه دليلًا ملموسًا على حجم المشكل المركب في علاقة الأنشطة الفلاحية بشركات توزيع المبيدات والأسمدة الكميائية، ففي مارس 2026، أصدرت هيئة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بمحكمة الاستئناف بتونس أحكامًا تتراوح بين 8 و9 سنوات سجنًا ضد عدد من رجال الأعمال، في قضية موضوعها بيع مبيدات فلاحية منتهية الصلاحية، بما يكشف أن المسألة لم تعد مجرد إخلال إداري بالمعايير، بل وصلت إلى مرتبة جرائم تهدد الأمن الغذائي وتفضح ممارسات إجرامية ال تراعي بالمرّة صحة الانسان والحيوان والثروتين الزراعية والمائية.

وإن كان الحكم متصلا بترويج مواد منتهية الصلوحية ويأتي في سياق سياسي مركب ومعقد، فإنه يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان القضاء التونسي قادرًا على إصدار أحكام بهذه الصرامة في خصوص آلاف الأطنان من المبيدات التي تروّج تحت غطاء قانوني تونسي، رغم احتوائها على مواد فعالة محظورة.

هذا السؤال على أهميته حاولت دراسة جمعية المساءلة الاجتماعية أن تجيب عنه، وأرجعته إلى وجود فارق جوهري بين الجريمة الواضحة المحددة على غرار بيع منتج فاسد أو منتهي الصلاحية والجريمة غير المباشرة كالترخيص لمادة خطرة ضمن دورة تجارية قانونية بالكامل وهو فارق يفسر لماذا يبقى الإطار التشريعي التونسي، رغم تعدد النصوص ذات الصلة، عاجزًا عن الإحاطة بالخطر الأكبر والأقل وضوحًا.

في خضم هذا السياق المؤسسي المتأزم، تكتسب أرقام دراسة جمعية المساءلة الاجتماعية ثقلًا إضافيًا وتضع الأجهزة الرسمية التونسية بما في ذلك القضاء أمام مسؤولياته في الحفاظ على البيئة وحقوق الأجيال القادمة.

الدراسة وثّقت أن تونس استوردت نحو 4161 طنًا من المبيدات في سنة 2022 وحدها، وفق "أطلس المبيدات" الصادر عن مؤسسة هاينريش بول، في حين لا يتجاوز الاستهلاك المصرح به رسميًا 985 طنًا وفق منظمة الأغذية والزراعة فجوة ضخمة تُفسَّر، وفق الدراسة، بضعف أنظمة التتبع ووجود قنوات توزيع غير رسمية.

الفجوة بين كميات المبيدات المستوردة والمصرح باستهلاكها (2022)

تفاعلي

فضلا عن ذلك وثقت الدراسة وجود 44 مادة فعالة شديدة الخطورة لا تزال مرخصة أو متداولة في السوق التونسية، من بينها مادة الكلوربيريفوس نفسها التي وثقتها "لوموند" قبل سنوات.

على الصعيد الصحي، استندت الدراسة إلى تجربة إكلينيكية معتمدة على مراجعة ملفات الطب الشرعي بمستشفى فرحات حشاد بسوسة، رصدت 130 حالة وفاة ناجمة عن التسمم بالمبيدات بين 1991 و2009، تمثل 41.9% من مجموع وفيات التسمم القاتل خلال تلك الفترة، علمًا بأن 92.3% من هذه الوفيات حدثت في سياق انتحاري معطى يفرض توسيع التحليل من السمية الفيزيولوجية إلى شروط الإتاحة الاجتماعية لهذه المواد القاتلة في أوساط ريفية تعاني الهشاشة والبطالة.

أما على مستوى التعرض المهني المزمن، فإن دراسة علمية شملت 142 عاملًا ريفيًا وثّقت أن 66.2% منهم يعانون من صداع متكرر، و58.4% من تهيج العينين، مع تحاليل دموية أثبتت تراجعًا ملموسًا في عدد الكريات الحمراء والصفائح الدموية لدى العمال المعرضين بشكل مستمر للمبيدات.

والأخطر من ذلك أن 48.6% من هؤلاء العمال لا يستخدمون أي معدات حماية شخصية على الإطلاق، وأن 71.1% منهم لا يعرفون أصلًا ما هي هذه المعدات، فيما يتلقى 96.5% منهم إرشاداتهم الزراعية من باعة المبيدات أنفسهم، لا من مهندسين أو فنيين متخصصين وهو ما يعيد إلى الواجهة السؤال الذي طرحه الباحث العربي بوقرة قبل سنوات حول ضرورة فصل الإرشاد الفلاحي عن المصالح التجارية المباشرة المرتبطة ببيع هذه المواد.

الآثار الصحية وضعف التوعية والوقاية لدى العمال الزراعيين

تفاعلي

ومن أبرز الأمثلة على عجز المؤسسات الرسمية التونسية عن مواجهة هذا الملف هو مصير "الشرطة البيئية" التونسية، التي تأسست عمليًا سنة 2017 بهدف مكافحة التلوث وحماية المحيط، ومُنح أعوانها صلاحيات المعاينة وتحرير المخالفات وفرض الغرامات المالية.

لكن هذا جهاز، الذي وُلد من رحم الانفلات الذي شهدته البلاد بعد ثورة 2011 بسبب تراجع سلطة الدولة الرقابية، اصطدم منذ بدايته بتنازع اختصاص مع أجهزة أخرى الشرطة البلدية، وحدات حماية الغابات التابعة لوزارة الفلاحة، وغيرها في غياب قانون أساسي واضح يحدد ويُنظّم توزيع المهام بينها.

في 24 فبراير 2023، صدر المرسوم الرئاسي عدد 5 لسنة 2023، الذي نص على حذف جهاز الشرطة البيئية بصيغته القائمة، وتكليف أعوان محلفين ومؤهلين من الجماعات المحلية، تتولى وزارة الداخلية تكوينهم لمباشرة المهام نفسها.

تعليقًا على هذا القرار، أشار خبراء تونسيون من بينهم الخبير في الحوكمة المحلية حاتم المليكي في تصريح صحفي إلى "أن المرسومين عدد 5 وعدد 9 لسنة 2023 ساهما في تلاشي الشرطة البيئية، التي أصبحت "سلكًا دون نظام أساسي تاه وسط تداخل المهام، في ظل استمرار الغموض وغياب نص قانوني أساسي يحدد بدقة الهياكل والأجهزة المتداخلة في مسائل الرقابة والردع للمخالفات البلدية والبيئية" وفق قوله.

النتيجة، بحسب تقارير عديدة، أن جهازًا أُسس لمواجهة تحدٍّ بيئي حقيقي، حُلَّ بعد ست سنوات فقط دون أن يخلفه أي إصلاح مؤسسي واضح المعالم، تاركًا فراغًا رقابيًا في وقت تتصاعد فيه أرقام التلوث الزراعي الموثقة علميًا.

المزارعين والمبيدات

في قلب التناقضات: بين ندرة المياه وتلويثها

من بين كل المواقع التي تختزل أزمة التلوث الزراعي في تونس، يبرز وادي مجردة كحالة نموذجية هذا النهر، الذي ينبع من سوق أهراس في الجزائر ويعبر 350 كيلومترًا من الأراضي التونسية قبل أن يصب في خليج تونس، يوفر نحو 811 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، ويُعدّ المصدر المائي الدائم الوحيد في البلاد، بما يجعله شريان الحياة الفلاحية والمائية لشمال تونس بأكمله.

غير أن الحقيقة الميدانية والتقارير الرسمية وتقارير المنظمات غير الحكومية على غرار جمعية نوماد التونسية تكشف عن مفارقة خطيرة وهي أنّ المياه المعالجة، التي يفترض أن تكون جزءًا من الحل في بلد يعاني الشح المائي، أصبحت في الواقع من أهم مصادر تلوث وادي مجردة.

تُشير دراسة قام بها المرصد التونسي للمياه التحقيق أن أكثر من 60% من هذه المياه غير مطابقة للمواصفات، وأن الوكالة الوطنية لحماية المحيط، المعنية قانونًا بمراقبة محطات التطهير منذ إحداثها سنة 1988، لم تُجرِ فعليًا أي مراقبة على هذه المحطات إلا في سنة 2011 أي بعد 23 سنة من تأسيسها، هذا يعني أن تونس لم تكن تملك، خلال أكثر من عقدين من الزمن، أي بيانات موثقة حول تركيبة المياه التي تُفرَّغ في الوادي الذي يسقي عشرات آلاف الهكتارات ويغذي عدة سدود لتزويد السكان بالماء الصالح للشرب.

جودة المياه المعالجة الموجهة نحو وادي مجردة

تفاعلي

والأسوأ أن هذه الأزمة البيئية تتقاطع مع أزمة مائية وجودية تعيشها تونس منذ سنوات. فبحسب تقارير متطابقة، تراجع منسوب امتلاء السدود التونسية إلى ما دون 28% في مطلع 2023 وهي نسبة لم تشهدها البلاد منذ عام 1960 على الأقل بينما انخفض نصيب الفرد التونسي من المياه إلى ما بين 350 و450 مترًا مكعبًا سنويًا، أي أقل من الحد الذي توصي به منظمة الصحة العالمية (بين 500 و700 متر مكعب)، وأقل من عتبة "الشح المائي" المقدرة بـ1000 متر مكعب.

في هذا السياق، يصبح التلوث الكيميائي للموارد المائية الشحيحة أصلًا جريمة مضاعفة، فالماء النادر يتعرض للتلويث بمواد كيميائية في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد كل قطرة منه.

يُذكّر هذا الواقع بما حذّر منه المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقرير صدر مطلع 2024، الذي وصف تونس بأنها "من بين البلدان الفقيرة مائيًا"، نتيجة تضافر الجفاف وزيادة الاستهلاك والتغيرات المناخية والاستغلال المفرط للمياه في قطاعات غير حيوية.

وسط هذه الصورة القاتمة، تقدّم تونس نفسها أيضًا كحالة متناقضة بشكل لافت: فهي، في الوقت ذاته، الدولة الأولى عالميًا في تصدير زيت الزيتون البيولوجي أين بلغت بحسب تقارير صحفية تونسية حديثة، قيمة صادرات المنتجات البيولوجية التونسية نحو 750 مليون دينار في سنة 2025، مدفوعة أساسًا بالطلب المتزايد على زيت الزيتون البيولوجي في الأسواق الأوروبية والأمريكية، في حين أن استخدام المبيدات يقتصر، وفق مسؤولين في وزارة الفلاحة، على 5% فقط من المساحة المزروعة بأشجار الزيتون البالغة مليوني هكتار

الاعتماد على المبيدات في المساحات المزروعة بأشجار الزيتون

تفاعلي

هذا النجاح الجزئي في علاقة بالحد من الاستعمال الكيميائي في نشاط زراعة الزيتون يطرح سؤالًا محرجًا في آن: إذا كانت تونس قادرة على تحقيق هذا التفوق في قطاع الزيتون البيولوجي، فلماذا يظل هذا النموذج محصورًا في شريحة ضيقة من الإنتاج الفلاحي، بينما تستمر بقية القطاعات من الخضر إلى الفواكه إلى المحاصيل الكبرى في الاعتماد على نمط مكثف من المدخلات الكيميائية؟

في الحقيقة جواب هذا يكمن في العائدات المالية المتأتية من زيادة الإنتاج في مادة زيت الزيتون المعد للتصدير والقيمة المُضافة العالية التي يحققها للاقتصاد التونسي، لكنه يضعنا في مأزق آخر.

تاريخيا يُنظر إلى شجرة الزيتون في تونس باعتبارها "الشجرة المباركة"، ليس فقط بسبب رمزيته الثقافية والتاريخية، بل أيضًا لأنه يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الزراعي.

تمتلك تونس أكثر من 100 مليون شجرة زيتون على مساحة تقارب ثلث الأراضي الزراعية، وتُعد من أكبر منتجي ومصدري زيت الزيتون في العالم، لكن هذه المكانة تخفي مفارقة مهمة، فالزيتون الذي لطالما اعتُبر محصولًا متأقلمًا مع الجفاف، وبفعل التحولات التي عرفها القطاع خلال العقود الأخيرة جعلت جزءًا متزايدًا من الإنتاج يعتمد على الري المكثف.

ففي السابق كانت الغالبية الساحقة من حقول الزيتون تُزرع بعليًا (دون ري منتظم)، خاصة في الوسط والجنوب، واليوم ومع التوجه نحو رفع الإنتاجية وتحسين المردودية وزيادة الصادرات، توسعت الزراعات السقوية للزيتون بشكل ملحوظ حتى أنها أصبحت الطاغية من حيث المساحة، خصوصًا في المناطق الساحلية والشمال الشرقي.

تضع هذه التناقضات تونس في قلب أزمة مركبة بين نشاط فلاحي يعتمد الزراعات السقوية بما في ذلك زراعات زيت الزيتون ويستأثر بحوالي 80 % من الموارد المائية، وبين أزمة جفاف تستوجب خطط عملية للحفاظ على الموارد المائية ومخاطر تسمم جراء استعمال مبيدات وأسمدة تحمل مواد فعالة وخطرة تتهدد ما بقي من المياه.

تلوث الموارد المائية

ما تكشفه قراءة الدراسة الأصلية بالتوازي مع التحقيقات الصحفية والأحكام القضائية والتقارير الدولية، هو أن التلوث الزراعي في تونس ليس مجرد "فجوة بين النص والتطبيق"، كما تصفه الدراسة بحذر أكاديمي، بل هو نتاج حلقة متكاملة من المصالح المتشابكة: شركات كيميائية عالمية تربح من تصدير ما تحظره على أراضيها، وموزعون محليون يتحولون إلى "مرشدين زراعيين" بحكم الواقع، ومؤسسات رقابية تُحدث ثم تُحل دون إصلاح حقيقي، وفلاحون يتحملون، إلى جانب المستهلكين والأجيال القادمة، الكلفة الصحية والبيئية لمنظومة لم يصمموها ولا يملكون سلطة تغييرها.

السؤال الذي يطرحه هذا التحقيق، تجاوزًا لما خلصت إليه الدراسة الأصلية، ليس فقط في علاقة تملك بوجود إرادة سياسية للاصلاح ، بل يتجاوز ذلك للبحث من المستفيد الحقيقي من استمرار هذا الوضع؟ ولماذا تتحرك المؤسسات بسرعة وصرامة حين يتعلق الأمر بمبيد منتهي الصلاحية (أحكام سجن تصل إلى 9 سنوات)، بينما تتعامل ببطء مطلق مع مواد فعالة خطيرة لكنها مرخصة قانونيًا؟ وهل يمكن أن يتحول النموذج البيولوجي الناجح في قطاع الزيتون إلى رافعة سياسية حقيقية للتحول الزراعي الشامل، أم سيبقى استثناءً تصديريًا محدودًا في بحر من الاستمرار الكيميائي؟