الراب كأداة مساءلةٍ للسياسات العمومية
في تونس ما بعد الثورة، تحررت السياسة من فضائها الرسمي لتصبح ممارسة شعبية تجد في فن الراب ساحتها الخطابية الأكثر حدة وفعالية. لقد قام هذا الفن، القادم من هوامش السلطة والثروة، بتنفيذ تدخل خطابي حاسم، محوّلاً نفسه من مجرد تعبير موسيقي إلى منصة للمساءلة الشعبية للسياسات العمومية.
متحدثاً بـ«لغة مظلومية»، يقدم الراب «لائحة اتّهام» لا هوادة فيها ضد منظومة الحكم. يحلل هذا المقال موقفاً سياسياً بامتياز، عبر تفكيك الأسباب الجذرية لهذه القطيعة التي وثّقها الراب بدقة عالم الاجتماع ومرارة الشاهد على العصر.
1. جذور القطيعة: تفكيك الراب لعقد اجتماعي منهار
1.1 المركزية كعقوبة: حين تصبح الجغرافيا قدرًا
في سردية الراب التونسي، لا تُستخدم مفردات مثل «الحومة» و«الريف» كخلفية جغرافية، بل كشفرات سياسية تكثف تجربة التهميش البنيوي. عندما يغني Balti في «جاي مالريف للعاصمة»، فإنه يقدم شهادة جماعية عن واقع اللامساواة:
«لليوم أمي تجيب الما من السبالة
الشارع ضاوي على يمينك و يسارك
و في دشرتنا شمعة تضوي دارك»
هذه الصور تفضح الهوة بين الخطاب الرسمي حول التنمية الشاملة والتجربة المعاشة للإقصاء، وهو ما يعبر عنه Hamzaoui Med Amine بقسوة أكبر:
«ڤــاعدين نعيشو كي الزّبلة في poubella
تي فڤــري نڤــري ما نڤـــوم بكري ما نعرف منڤالة
هـــوني خنڤــة برشـــا غمّة ...»
1.2 الأفق المسدود: شباب عالق في "نفس الصف"
لا يتناول الراب البطالة كرقم إحصائي، بل كمنظومة متكاملة لإنتاج اليأس تجعل من الجهد الفردي فعلاً عبثياً. يتجلى هذا بوضوح في كلمات EMP1RE:
«نفس النسبة متع البطالة اخر العام برشا شهايد
ماشي جاي على ورقة نفس الطاق نفس الشايب
نفس الدزان نفس الإدارة نفس الصف»
يعمق Balti هذا الشعور بالظلم في أغنية «ولا لالا»، حيث لا تعود "الحرقة" مجرد خيار، بل نتيجة منطقية للشعور بامتهان الكرامة: «حقروني ما لقيتش سومي».
1.3 مدرسة الإحباط: صناعة "جيل معقّد"
يمتد النقد البنيوي في الراب ليشمل المنظومة التعليمية، التي يصورها ليس كأداة للارتقاء الاجتماعي، بل كآلية لإعادة إنتاج التهميش.
«نفس الكرارس والكتب بيداغوجيّة قديمة ترقد
نفس المعلّم طلعلنا جيل معقّد»
2. «الكف يسبق الكلمة»: الدولة كخصم لا كشريك
يكشف الراب عن وجه الدولة القمعي الذي يتعامل مع الشباب ليس كطاقة كامنة، بل كتهديد أمني يجب احتواؤه. توثق كلمات الراب العنف البوليسي ليس كتجاوزات فردية، بل كنسق مستقر.
«مشكل في المحلول و أكبر مشكل مش محلول
ناس تعيش رضاة بالكف و باقي تشكر في المسؤول
حاكم يذلك باش تتبنن كفو»
أما vipa فيفضح الخطاب السياسي للمسؤول الذي أصبح يتهم المواطنين بفشله:
«سيستام عالحيط فارغ الإيد ما تبدل شيء
تي تقعد مش بلاصتك مش مكانك... بعد ما فرغ كلامك عيب عليك تطلع عالمنبر وطول في لسانك»
3. «خارج اللعبة»: الهجرة كفعل مقاومة أخير
في هذه المرحلة، يطرح الراب الهجرة ليس كخيار اقتصادي، بل كتحرر من لعبة سياسية واجتماعية مغلقة. المطالبة بـباسبور في أغنية "Triplife" ليست مجرد وثيقة سفر، بل رفض لهوية وطنية أصبحت مرادفة للتهميش.
«خليني في روحي لاهي.. بلادك حالها يسخف أكثر مالأخبار
الناس الي تحكم اناهي.. نشوف في كمشة رجال كبار
خرجني منها بالاهي.. ما نتوحش فيها كان أمي و الدار
حفرة و مابقى فيها باهي كان الجامع و المطار»
عندما يؤكد 71% من الشباب رغبتهم في الهجرة، فإن أغاني الراب تصبح الصوت الناطق لوعي سياسي جماعي.
خاتمة: الراب كأرشيف لوجع شعب
في المحصلة، لا يقدم الراب التونسي برامج سياسية، بل يؤدي وظيفة نقدية أكثر جوهرية: إنه يفضح الخلل ويخلق سرديات بديلة. لقد أصبح الراب مرآة للمجتمع المُتعب، وأرشيفاً حياً لوجع شعب يُكتب بإيقاع الشارع، مسجلاً بذلك التحول المأساوي لجيل كامل من الحلم بالتغيير إلى السعي للخلاص الفردي.
