الكيمياء التي تسري في الأرض والماء والجسد: قراءة في أزمة بنيوية عميقة لظاهرة التلوث الزراعي في تونس
محاور التحليل
حين يرش فلاح تونسي مبيدًا على محصوله مع كل فجر يوم جديد، لا يفكر عادةً في الفوسفوريات العضوية التي تتسرب إلى التربة، ولا في المياه الجوفية التي ستحملها إلى الأحواض المائية على بُعد كيلومترات، لا يفكر في أن نصف هذه المادة وفق تقديرات الوكالة الوطنية لحماية المحيط لن يُستعمل وفق الممارسات السليمة. وربما لا يعرف أصلًا أن المادة التي يرشها تنتمي إلى قائمة تضم 44 مادة فعالة شديدة الخطورة، محظورة في الأسواق الأوروبية، ومرخصة بالكامل في السوق التونسية.
هذا المشهد اليومي، المتكرر في مئات الحقول من شمال البلاد إلى جنوبها، يختزل أزمةً بيئية وصحية وسياسية واقتصادية لا تزال تفتقر إلى اعتراف حكومي حقيقي وإلى معالجة بمستوى حجمها.
في دراسة أصدرتها جمعية المساءلة الاجتماعية بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان، تحت عنوان "التلوث الزراعي في تونس: بين جمود النص القانوني وتحولات الواقع الميداني"، تكشف بالأرقام والتحليل عن ظاهرة باتت أزمةً بنيوية متعددة الأبعاد.
الأرقام التي لا تكذب: من استيراد المبيدات إلى تلوث المياه
لفهم حجم المسألة، يكفي أن نقرأ رقمًا واحدًا: استوردت تونس ما يقارب 4161 طنًا من المبيدات في سنة 2022، وفق ما يوثقه "أطلس المبيدات" الصادر عن مؤسسة هاينريش بول. هذا الرقم يتجاوز بما يتجاوزه الاستهلاك المصرح به رسميًا الذي يُقدّر بحوالي 985 طنًا وفق قاعدة بيانات منظمة الأغذية والزراعة وهو ما يكشف، وفق الدراسة، عن فجوة كبيرة بين الإحصائيات الرسمية والواقع الميداني، تُفسَّر بضعف أنظمة المراقبة فضلا عن تنامي التجارة الموازية عبر مسالك التوزيع غير الرسمية.
الفجوة بين كميات المبيدات المستوردة والمصرح باستهلاكها (2022)
تفاعليهذه الكميات لا تبقى محبوسة داخل الحقل، فالجريان السطحي والتسرب عبر التربة يحملانها نحو الأحواض المائية الجبلية منها والجوفية كذلك.
توثق الدراسة، استنادًا إلى دراسة ميدانية أجريت في المدرسة العليا للفلاحة بالكاف بالتعاون مع جامعة كاتوليكا الايطالية والمرصد الأوروبي للزراعة المستدامة (OPERA)، وجود 29 مادة فعالة في مياه شمال تونس، مع حضور شبه دائم للمبيدات مثل الغليفوزات و السيمازين كما تمّ رصد مستويات للمادة الفعالة Linuron في المياه تصل إلى 7.8 ميكروغرام/لتر، أي 78 ضعفًا فوق الحد الأقصى الأوروبي المسموح به.
غير أن الأكثر دلالةً هو الحالة المُزرية التي بات عليها وادي مجردة الذي يمثل حوالي 37% من إجمالي المياه السطحية في تونس ويُساهم في سقي أكثر من 80 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في تونس في شمال غرب تونس، ويوفر مياه الشرب لأكثر من ثلث سكان البلاد أهمهم ولايات الشمال وولايات تونس الكبرى.
هذا الوادي على أهميته الحيوية في النشاط الزراعي كما في توفير مياه الشرب يرزح تحت ضغوط بيئية مركّبة من تصريف صناعي وجريان زراعي محمل بالمبيدات ومياه صرف صحي غير معالجة، بما يهدد جودته ودوره في الحفاظ على الأمن القومي المائي.
الثورة الزراعية: من الاكتفاء إلى الاستنزاف
لم تكن الفلاحة دائمًا على هذا النحو من الإنتاج المكثف الموجه في أغلبه إلى التصدير والصناعات الفلاحية التحويلية كما يحصل اليوم.
تتبع الدراسة مسارًا تاريخيًا يمتد من الزراعة المعيشية القائمة على الاكتفاء الذاتي في العصور القديمة، مرورًا بالتحولات الرأسمالية منذ القرن السادس عشر، وصولًا إلى عصر العولمة حيث أصبح الإنتاج الزراعي مرتبطًا بأسواق عالمية وشركات متعددة الجنسيات تتحكم في البذور والأسمدة وسلاسل التوزيع.
هذا التحول الجذري أفرز نمطًا من الفلاحة المكثفة يعتمد على الاستعمال الكثيف للمدخلات الكيميائية، وهو ما تسميه الدراسة بـ "الدوامة الكيميائية".
المردودية الاقتصادية للمتر المكعب من الماء حسب القطاعات (دولار/م³)
تفاعليفي تونس، يتجلى هذا الواقع في معطى اقتصادي صارخ حيث تُشير أرقام رسمية إلى أنّ مردودية الماء في الفلاحة لا تتجاوز 0.27 دولار لكل متر مكعب، مقابل 225 دولارًا في الصناعة و32 دولارًا في الخدمات. وفي الوقت ذاته، تستهلك الفلاحة حصة الأسد من الموارد المائية بمعدّل 2722 مليون متر مكعب عام 2020 رغم أنّ البلاد مصنفة في مصاف الدول التي تعاني من الإجهاد المائي أو الإفلاس المائي، يُضاف إليها ضياع كمّيات ضخمة من مياه الشرب ناتجة عن اهتراء شبكات توزيعها ويٌقدّر هذا الفاقد بحوالي 40% من إجمالي المياه المروّجة عبر تلك الشبكات.
فضلا عن ذلك تتبع الحكومات التونسية المتعاقبة منذ ثمانينات القرن الماضي سياسة فلاحية تقوم على التصدير، تستأثر الدول الأوروبية بحوالي 70% من إجمالي الصادرات الفلاحية التونسية مما يطرح معها إشكاليتين أساسيتين ومتناقضتين الأولى ذات صلة بتصدير المياه عن طريق منتجات فلاحية تستهلك الكثير من الماء في بلاد تعاني من الإجهاد المائي والإشكالية الثانية ذات علاقة بتنافسية المنتجات التونسية خاصة وأن السوق الأوروبية تفرض معايير صارمة في خصوص استعمال عدد من المبيدات ونسبة المواد الكيميائية داخل هذه المنتجات المزمع ترويجها بأسواقها.
من التربة إلى الجسد: الأثر الصحي غير المرئي
ما يميز هذه الدراسة عن غيرها هو انتقالها من الوصف البيئي إلى التشخيص الصحي المدعوم بالأدلة. بالاستناد إلى دراسة إكلينيكية أُجريت في مستشفى فرحات حشاد بسوسة، يتبين أن 130 حالة وفاة بـ "التسمم بالمبيدات" سُجِّلت بين 1991 و2009، تمثل 41.9% من مجموع وفيات التسمم القاتل خلال تلك الفترة.
ديموغرافيا وفيات التسمم بالمبيدات في مستشفى فرحات حشاد (1991-2009)
تفاعليوتتوزع حالات التسمم بين 72% منهم ضحايا من أوساط ريفية، و61.5% عاطلون عن العمل، و62% من النساء والمعطى الأهم ويكشف أن 92.3% من هذه الوفيات حدثت في سياق انتحاري، أي أن المبيد تحول من أداة إنتاج فلاحي إلى وسيلة موت جاهزة في سياقات مطبوعة بالهشاشة الاجتماعية والفقر والبطالة.
التداعيات الصحية وغياب الوقاية لدى العمال الزراعيين (عينة 142 عامل)
تفاعليأما على مستوى التعرض المهني المزمن، فدراسة علمية دولية شملت 142 عاملًا ريفيًا وثقت أن 66.2% منهم يعانون صداعًا متواترًا، و58.4% تهيجًا بالعينين، إلى جانب اضطرابات عضلية وتنفسية وهضمية وجلدية والأكثر ذلك، أثبتت تحاليل الدم تراجعًا ملموسًا في عدد الكريات الحمراء والصفائح الدموية لدى العمال المعرضين، وهو مؤشر عضوي موضوعي يتجاوز الوصف الشكلي ليثبت ضررًا حقيقيًا متراكمًا جرّاء التعرّض للمبيدات والأسمدة الكيميائية.
يتعزز هذا من خلال معرفة أنّ 48.6% من هؤلاء العمال الفلاحيين لا يستخدمون أي معدات حماية شخصية، و71.1% لا يعرفون أصلًا ما هي هذه المعدات، فيما يتلقى 96.5% ارشاداتهم في استعمال المبيدات من باعة المبيدات أنفسهم لا من متخصصين.
الإطار القانوني: نصوص مبعثرة وهشاشة تطبيق
تُقرّ الدراسة بوجود منظومة تشريعية واسعة تشمل مجلة المياه لسنة 1975، وقانون حماية المحيط لسنة 1988، وقانون النفايات لسنة 1996، والقانون رقم 25 لسنة 2019 المتعلق بالسلامة الصحية للمواد الغذائية، إضافةً إلى أحكام دستورية تكرّس الحق في الماء والبيئة السليمة.
بيد أن الثراء التشريعي لا يعني بالضرورة الفعالية، فدراسات التأثير على المحيط تتحول في كثير من الأحيان إلى إجراء إداري روتيني دون تحليل علمي معمق وآليات المسؤولية المدنية تصطدم بصعوبة إثبات العلاقة السببية في سياق تلوث منتشر وغير مباشر أما المسؤولية الجزائية تبقى نادرة التفعيل بسبب صعوبة إثبات الركن المعنوي في جرائم التلوث.
ويُضاف إلى ذلك وبناء على ذات الدراسة أن تونس تعتمد على مبدأ الوقاية التقليدي أكثر من تبنيها مبدأ الحيطة الذي يُجيز التدخل حتى في غياب اليقين العلمي القاطع كما أصبحت تعتمده عدّة أنظمة أوروبية وحتى آسيوية.
التلوث الزراعي في تونس ليس أزمة قطاعية معزولة، إنه تعبير عن نمط علاقة مختل بين الإنسان وموارده الطبيعية، تُغذيه تبعية اقتصادية في الاستيراد، وضعف الحوكمة وضعف آليات الرقابة وهشاشة اجتماعية تتحمل تكاليفه الفئات الأقل قدرةً على الحماية. في المقابل تستفيد الشركات الفلاحية الكبرى أو ما يعبّر عنهم بالمستثمرين الفلاحيين من زيادة آنية في الإنتاج، تتحمل الجماعة وخاصةً الريفية منها كلفةً صحية وبيئية واقتصادية تظل إلى حد بعيد غير مرئية في السجلات الرسمية.
فهل تملك تونس الإرادة السياسية اللازمة لبناء نموذج زراعي مستدام يوازن بين متطلبات الإنتاج ومتطلبات الاستدامة، قبل أن تُنهك الموارد الطبيعية نفسها وقدرتها على الإنتاج؟
