أزمة الكهرباء في تونس قراءة تحليلية في الأرقام والتحديات البنيوية لقطاع الطاقة

أزمة الكهرباء في تونس - قراءة تحليلية في الأرقام والتحديات البنيوية لقطاع الطاقة

أزمة الكهرباء في تونس

قراءة تحليلية في الأرقام والتحديات البنيوية لقطاع الطاقة

إعداد: محمد خلولي باحث بالمخبر السياسي
34% : الاستقلالية الطاقية
91% : اعتماد الإنتاج على الغاز الطبيعي
9% : حصة الطاقات المتجددة
7356 مليون دينار : ديون الشركة التونسية للكهرباء والغاز

فهرس المحتويات

ملخـــص تنفيــــذي

لجأت الشركة التونسية للكهرباء والغاز، في شهر جويلية 2026، إلى تقسيط توزيع الكهرباء عبر قطع دوري مبرمج ومتزامن للتيار في عدة مناطق، بعدما بلغ الطلب على الشبكة نحو 6000 ميغاواط مقابل قدرة إنتاج متاحة لا تتجاوز 4400 ميغاواط، في أعقاب موجة حر قياسية رفعت الاستهلاك بأكثر من 33% مقارنة بالمستويات العادية. تخلص هذه الورقة إلى أن هذا الحدث ليس عطبًا تقنيًا عابرًا، بل تجلٍّ ظاهر لأزمة بنيوية متعددة الأبعاد تراكمت على مدى أكثر من عقدين. فمن جهة الإنتاج، يتراجع الإنتاج المحلي التونسي من النفط والغاز بنسق متواصل منذ مطلع الألفية بفعل نضوب الحقول القائمة وغياب استثمارات استكشافية كافية، ما أدى إلى انهيار نسبة الاستقلالية الطاقية الوطنية من نحو 49% نهاية 2023 إلى 34% فقط بحلول ماي 2026 — خسارة 15 نقطة مئوية خلال أقل من ثلاثين شهرًا — واتساع العجز التجاري الطاقي الذي بات يستأثر بنحو 55.6% من إجمالي العجز التجاري للبلاد، وسط اعتماد شبه كلي (يفوق 91%) لمزيج إنتاج الكهرباء على غاز طبيعي مستورد ومتقلب السعر. ومن جهة ثانية، تجد الشركة التونسية للكهرباء والغاز نفسها حبيسة معادلة مالية مختلة تبيع فيها كل وحدة كهرباء أو غاز بأقل من كلفة إنتاجها الحقيقية، فتراكمت ديونها إلى ما يفوق 7356 مليون دينار مقابل مستحقات غير مستخلصة تناهز 6061 مليون دينار، بينما تتحمّل الدولة دعمًا مباشرًا يفوق 3 مليارات دينار سنويًا دون أن يحل جذر الاختلال، وهو عجز مالي وثّقه خبراء القطاع كسبب مباشر لتأخر صيانة محطات الإنتاج وتوسيع طاقتها. ومن جهة ثالثة، يظل التحول نحو الطاقات المتجددة حبيس وعود متكررة منذ 2018، إذ لم تتجاوز مساهمتها الفعلية 9% من مزيج الإنتاج رغم إمكانات شمسية وريحية استثنائية وهدف رسمي معلن يبلغ 35% بحلول 2030، فيما قُدّرت الخسائر المالية الناجمة عن تعثر مشاريع الربط الشبكي وحدها بنحو 2.5 مليار دينار. تتقاطع هذه الأبعاد الثلاثة — الإنتاجي والمالي والطاقي — في حلقة سببية متسلسلة لا تراكمية، تنتهي بكلفة إنسانية واقتصادية مباشرة تحمّلها المواطنون خلال صيف 2026: فقد قدّرت المنظمة التونسية للأطباء الشبّان عدد الوفيات المرتبطة بضربات الشمس وانقطاع الكهرباء عن مرضى الأكسجين والمستشفيات بين 150 و200 حالة، وسط صمت رسمي لافت من وزارة الصحة، فضلًا عن احتجاجات ميدانية وأبحاث عدلية فتحتها النيابة العمومية في ملابسات القطع. وتخلص الورقة إلى أن معالجة هذه الأزمة تستدعي، وفق خمسة خيارات مفصّلة في متنها، تسريع تنفيذ عقد البرنامج 2024-2028 المبرم بين الدولة والشركة التونسية للكهرباءو الغاز، وإصلاحًا تدريجيًا لمنظومة التسعير مقترنًا بدعم موجَّه للفئات الهشة، وتبيسطًا لإجراءات الترخيص والربط الشبكي للطاقات المتجددة، وتحسينًا لاستخلاص المستحقات والنجاعة الطاقية القطاعية، وتعزيزًا للشفافية العمومية تجاه المواطن — باعتبار أن أيًا من هذه المسارات لن يكتمل أثره بمعزل عن البقية.

مقدمـــة

مع ذروة موجة الحر التي شهدتها تونس خلال شهر جويلية 2026، وجدت المنظومة الكهربائية نفسها أمام اختبار غير مسبوق تجسد في طلب على الكهرباء بلغ نحو 6000 ميغاواط مقابل قدرة إنتاج متاحة لا تتجاوز 4400 ميغاواط فقط، حسب تصريحات نقابية صادرة عن الجامعة العامة للكهرباء والغاز [6]. كانت النتيجة لجوء الشركة التونسية للكهرباء والغاز، على لسان مديرها العام فيصل طريفة، إلى اعتماد "تقسيط الكهرباء" وهو قطع دوري مبرمج للتيار بين المناطق كإجراء وقائي لحماية الشبكة من انهيار شامل (Blackout)[4]، بعد أن تجاوز الاستهلاك القدرة الإنتاجية المتاحة، ووسط عجز واردات الجزائر وليبيا عن سدّ الفارق بسبب ارتفاع الطلب الداخلي في البلدين الجارين [5].

الطلب اللحظي مقابل قدرة الإنتاج المتاحة (جويلية 2026)

تفاعلي

هذا المشهد يطرح سؤالين إشكاليين تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عنهما: كيف يمكن لبلد يسجّل نموًا في إنتاجه الكهربائي السنوي أن يظل عاجزًا عن ضمان استقرار التزود بالكهرباء في ذروة الصيف؟ ولماذا تتحوّل شركة عمومية عريقة إلى بؤرة للعجز المالي رغم استمرار الطلب على خدماتها؟ سؤالان يختصران جوهر أزمة الكهرباء والغاز في تونس، وهي أزمة لا يمكن فهمها بمعزل عن التحوّل البنيوي الذي عرفه القطاع منذ أكثر من عقدين — أي منذ أن تحوّلت تونس من بلد مصدّر صافٍ للطاقة إلى بلد مستورد صافٍ لها.

تحاول هذه الورقة الإجابة عن هذا الإشكال عبر تفكيك الأزمة إلى مكوناتها الثلاثة: الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، الاختلالات المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وبطء التحول نحو الطاقات المتجددة، بالاستناد إلى أحدث البيانات الصادرة عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم ووزارة الصناعة والمناجم والطاقة والوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، إضافة إلى تطورات الأزمة الميدانية خلال صيف 2026.

صورة توضيحية لشبكات الكهرباء والطاقة
شبكات نقل وتوزيع الكهرباء تحت ضغط ذروة الاستهلاك الصيفي تأثير تفاعلي

المنهجية

تعتمد هذه الورقة مقاربة تحليلية تستند إلى تقاطع ثلاثة أنواع من المصادر: النشريات الشهرية الرسمية الصادرة عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم ووزارة الصناعة والمناجم والطاقة، التي تُبنى عليها معظم المؤشرات الكمّية (الإنتاج، الاستهلاك، العجز الطاقي، الاستقلالية الطاقية)؛ محاضر الجلسات البرلمانية الرسمية وتصريحات المسؤولين الحكوميين وممثلي الشركة التونسية للكهرباء والغاز، التي تُشكّل مصدر المعطيات المالية والمؤسساتية؛ وتقارير إعلامية موثوقة وتصريحات خبراء القطاع، التي تُغطّي التطورات الميدانية الآنية وتُقدّم القراءة التفسيرية للأرقام الرسمية. وتغطي الورقة نطاقًا زمنيًا يمتد من نوفمبر 2023 إلى جويلية 2026، مع تركيز خاص على الفترة الممتدة بين ماي وجويلية 2026 التي شهدت ذروة الأزمة.

ولضمان إمكانية التحقق المباشر، رُبط كل معطى رقمي أو تصريح مستقى من مصدر خارجي برقم إحالة يقابله مصدره الكامل في قائمة المصادر الموحّدة في نهاية الوثيقة. وتُشار صراحة، أينما وردت، إلى الحالات التي تكون فيها الأرقام تقديرات نقابية أو مهنية غير رسمية (على غرار رقمي 6000 و4400 ميغاواط)، تمييزًا لها عن المعطيات الصادرة عن مصادر حكومية رسمية. كما تجدر الإشارة إلى أن بعض المؤشرات تعرف تفاوتًا طفيفًا بين مصادر مختلفة بحسب الفترة المرجعية أو أساس القياس المعتمد (كنسبة اعتماد إنتاج الكهرباء على الغاز الطبيعي، التي تراوحت في المصادر المعتمدة بين 91% و95% بحسب التاريخ والجهة المصرِّحة)؛ وقد جرى التنبيه إلى هذا التفاوت في المتن كلما اقتضى الأمر، بدل حسمه تعسفيًا لصالح رقم واحد.

الإنتاج والاستهلاك الكهربائي: اختلال التوازن وتحديات الذروة

تكشف قراءة العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك في تونس عن مفارقة جوهرية لا يمكن فهم أزمة جويلية 2026 دون استيعابها أولًا: فالنمو المسجَّل في الإنتاج الكهربائي على امتداد السنة كاملة لا يعني بالضرورة توفر ما يكفي من الطاقة في اللحظة التي يبلغ فيها الطلب ذروته. فقد سجل الإنتاج الوطني للكهرباء إلى موفى ماي 2026 ارتفاعًا بنسبة 6% ليبلغ 7506 جيغاواط ساعة، مقابل 7067 جيغاواط ساعة خلال الفترة نفسها من سنة 2025[1]، فيما شهد الإنتاج الموجّه إلى السوق المحلية ارتفاعًا بنسبة 4%[1]. غير أن هذا التراكم السنوي للطاقة المنتَجة يخضع لمنطق مختلف تمامًا عن المنطق الذي تُدار به الشبكة الكهربائية في الزمن الحقيقي، إذ يجب أن يتعادل العرض والطلب لحظة بلحظة لا على مدى شهر أو سنة؛ فحين يقترب الطلب اللحظي من القدرة المتاحة فعليًا، تلجأ الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تخفيف الأحمال كإجراء وقائي لحماية تردد الشبكة (50 هرتز) من الانحراف الذي قد يفضي إلى انهيار شامل يصعب إصلاحه سريعًا.

هذا بالضبط ما تجسّد بوضوح خلال شهري جوان وجويلية 2026، حين تضافرت عدة عوامل متزامنة لتفجير الأزمة. فارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة دفع الاستهلاك المنزلي لأجهزة التكييف إلى مستويات قياسية، ورفع الطلب الكلي على الشبكة بأكثر من 33% مقارنة بالفترات العادية، بحسب ما أكده المدير العام للشركة التونسية للكهرباء و الغاز في منتصف جويلية 2026[4]. وتزامن هذا الارتفاع مع عطب تقني طرأ، في اليوم نفسه، على منشأة كهربائية شرقي الجزائر، ما أربك الشبكة الجزائرية وقلّص هامش الفائض المتاح للتصدير نحو تونس[5]، التي لم تغطِّ وارداتها من الكهرباء — أساسًا من الجزائر — سوى نحو 9% من حاجيات سوقها المحلية إلى موفى ماي 2026[1]. أما على صعيد بنية الإنتاج، فقد حافظت الشركة على نصيب الأسد منه بنسبة 91% من الإجمالي الوطني[1]، في حين لا يزال مزيج الإنتاج ذاته يعتمد بنسبة تقارب 91% على الغاز الطبيعي، علمًا أن إنتاج الكهرباء وحده يستهلك نحو 65% من إجمالي الطلب الوطني على الغاز[3] — وهو ما يجعل أي اهتزاز في التزود بالغاز المستورد أو في كلفته ينعكس مباشرة على القدرة الإنتاجية المتاحة. وتبقى مساهمة الطاقات المتجددة محدودة رغم تصاعدها التدريجي، إذ لم تتجاوز 9% من مزيج الإنتاج بنهاية ماي 2026[3] بعد أن كانت في حدود 8.2% نهاية أفريل من العام نفسه[2]، وهو مستوى لا يزال بعيدًا عن أن يشكّل مصدرًا تكميليًا فعّالًا لامتصاص ذروة الطلب النهارية.

انعكست هذه العوامل مجتمعة في فجوة صريحة بين الطلب والعرض قُدِّرت، بحسب مصادر نقابية، بنحو 6000 ميغاواط طلبًا مقابل قدرة إنتاج متاحة لا تتجاوز 4400 ميغاواط فقط [6] — وهو رقم تجدر الإشارة إلى أنه تصريح نقابي وليس معطى رسميًا صادرًا عن الشركة أو المرصد الوطني للطاقة والمناجم، لكنه يبقى دالًّا على حجم الفجوة اللحظية، إذ يقلّ بشكل واضح عن القدرة المركّبة الإجمالية المعلنة سابقًا والبالغة نحو 5982 ميغاواط، ما يعكس تراجعًا في الأداء الفني لبعض الوحدات أو توقفها للصيانة الدورية في ذروة الحرارة. واضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز، تفاديًا لانهيار شامل للمنظومة، إلى اعتماد تقسيط الكهرباء عبر قطع دوري متناوب و متزامن بين المناطق مع إعطاء الأولوية للمنشآت الحيوية والمستشفيات، في وقت شهدت فيه ليبيا المجاورة انقطاعًا كليًا للتيار بعد خروج محطات توليد استراتيجية عن الخدمة وفقدان الشبكة نحو 1350 ميغاواط من قدرتها الإنتاجية[7]، وهو ما يؤكد أن الأزمة كانت تعبيرًا إقليميًا عن هشاشة مشتركة أمام موجات الحر المتصاعدة، لا استثناءً تونسيًا معزولًا. لكن إذا كانت واردات الكهرباء من الجزائر لا تغطي أصلًا سوى جزء محدود من الحاجيات الوطنية، فهل يعوّض الإنتاج المحلي من المحروقات هذا النقص، أم أن هذا الإنتاج ذاته يشهد تراجعًا يزيد الفجوة اتساعًا؟

الإنتاج المحلي للمحروقات: بين التراجع الهيكلي وتحديات الاستثمار

يشهد الإنتاج المحلي من المحروقات في تونس تراجعًا ممتدًا لا يقتصر على سنة بعينها، بل يعكس، بحسب تقارير المرصد الوطني للطاقة والمناجم المتعاقبة، تآكلًا بنيويًا في الحقول القائمة يعجز عن إيقافه أي تحسّن ظرفي عابر. فقد سجّل إنتاج الغاز التجاري الجاف تراجعًا بنسبة 4% إلى موفى فيفري 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024، عزاه المرصد صراحة إلى تواصل انخفاض إنتاجية أهم الحقول وغياب أي مشاريع حفر أو اكتشافات جديدة تعوّضه[8]؛ وتواصل هذا النمط إلى موفى أكتوبر 2025 (تراجع بنسبة 7%، من 1.02 إلى نحو 0.95 مليون طن مكافئ نفط)[9]، قبل أن يسجل شبه استقرار عند موفى مارس 2026 (نحو 0.29 مليون طن مكافئ نفط مقابل 0.289 مليون طن)[10] — وهو استقرار ظاهري لا يعكس تعافيًا حقيقيًا بقدر ما يعكس استقرارًا عند مستوى منخفض أصلًا. هذا النمط ليس طارئًا بل يمتد جذريًا إلى مطلع الثمانينيات، حين بلغ إنتاج تونس النفطي ذروته التاريخية سنة 1980 عند 117 ألف برميل يوميًا، معتمدًا بنسبة تناهز 70% على حقلين رئيسيين هما البرمة وعشتروت، قبل أن يدخل القطاع في مسار تراجع طبيعي متواصل تسبب، مع مطلع الألفية الثالثة، في أول عجز طاقي تسجّله البلاد[16].

في مواجهة هذا التآكل التاريخي، وقّعت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة في جانفي 2025 اتفاقية مع شركتي إيني الإيطالية وسيتاب لحفر بئر إنتاج ومسار جانبي تطويري بحقل البرمة، بتكلفة تناهز 19 مليون دولار، ضمن برنامج أوسع يمتد إلى غاية 2030 ويستهدف حفر ما بين 9 و10 آبار جديدة[13]، صُنِّفت لاحقًا ضمن أبرز صفقات قطاع الطاقة في تونس خلال سنة 2025[14]. واللافت أن هذا الحقل سجّل بالفعل تحسّنًا موضعيًا بنسبة 15% في إنتاجه نهاية مارس 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024، بفعل هذه المجهودات التطويرية المبكرة[15]. غير أن هذا التحسن الموضعي في حقل واحد لم يترجم إلى انعكاس إيجابي على المعدل الوطني الإجمالي، الذي واصل تراجعه بنسبة 13% خلال الربع الأول من 2026[11] ثم 7% إضافية إلى موفى أفريل 2026 (من 27.3 إلى 25.4 ألف برميل يوميًا)[12] — وهو ما يكشف، من الناحية المنهجية، حدود سياسة الاعتماد على حقل واحد أو اتفاقية واحدة لعكس مسار تراجع يشمل عشرات الحقول المتقادمة في آن واحد.

تطور مؤشر الاستقلالية الطاقية في تونس (2023 - 2026)

تفاعلي

انعكس هذا التراجع المزدوج في تدهور شبه خطي لمؤشر الاستقلالية الطاقية — المؤشر الذي يقيسه المرصد كنسبة تغطية الموارد الوطنية المتاحة (الإنتاج المحلي مضافًا إليه حصة تونس من إتاوة الغاز الجزائري العابر لأراضيها نحو إيطاليا) لإجمالي الطلب على الطاقة الأولية[18]؛ وتجدر الإشارة، من الناحية المنهجية، إلى أن هذا التعريف يُدرج ضمن "الموارد الوطنية" عائدًا جيوسياسيًا (إتاوة عبور) لا إنتاجًا فعليًا، ما يعني أن الاستقلالية الحقيقية القائمة على الإنتاج الذاتي وحده أضعف مما توحي به النسبة المعلنة. وبتتبع هذا المؤشر عبر النشريات المتعاقبة يتضح أن التراجع مسار شبه خطي ممتد: من 49% في نوفمبر 2023 إلى 41% في نوفمبر 2024[18]، مرورًا بـ42% في أوت 2024[20]، ثم 43% في جويلية 2024 مقابل 37% في جويلية 2025[19]، و35% في أكتوبر 2025 مقابل 41% في أكتوبر 2024 (بعد أن كانت 36% في سبتمبر 2025)[9] [17]، وصولًا إلى 34% فقط في ماي 2026 — أي خسارة تناهز 15 نقطة مئوية خلال أقل من ثلاثين شهرًا، وهو نسق لا تفسّره التقلبات الموسمية بل تراكم بنيوي مستمر.

فهذا التراجع المزدوج في الإنتاج المحلي هو المصدر المباشر لاتساع العجز الطاقي (1.5 مليون طن مكافئ نفط في الربع الأول من 2026 بارتفاع 13%[21]، وعجز مالي تجاوز 6 مليارات دينار في جويلية 2025 وحده، تفاقم آنذاك بفعل تراجع الدينار 7% أمام الدولار وارتفاع الطلب على الغاز 10%[19])، وهو أيضًا السبب الجذري وراء اعتماد قطاع الكهرباء شبه الكلي على الغاز المستورد، بما أن محطات التوليد تستهلك وحدها نحو 65% من إجمالي الطلب الوطني على هذه المادة[3]. بعبارة أخرى، أزمة تخفيف الأحمال في جويلية 2026 ليست سوى العرض الأكثر وضوحًا لمشكـل أعمق جذوره في تراجع الإنتاج المحلي من المحروقات الذي بدأ قبل عقود واستمر بلا انقطاع. يبقى أن نتساءل عن الثمن الفعلي الذي يدفعه الاقتصاد التونسي مقابل سدّ هذه الفجوة المتنامية عبر الاستيراد، وعن انعكاسه على التوازنات المالية الكبرى للبلاد.

الإنتاج المحلي للغاز والمحروقات
تراجع الإنتاج المحلي للبترول والغاز في الحقول الوطنية وتحديات الاستكشاف تأثير تفاعلي

العجز الطاقي يتفاقم وتزداد كلفته على الاقتصاد الوطني

لا يسير العجز التجاري الطاقي التونسي في مسار خطي بسيط، بل يعرف تقلبات شهرية حادة تعكس حساسيته المزدوجة لأسعار الطاقة العالمية ولحجم الصادرات الطاقية نفسها (أساسًا إتاوة الغاز الجزائري العابر نحو إيطاليا، التي تُحتسب كصادرات تونسية). فبعدما سجّل العجز تراجعًا لافتًا بنسبة 20% إلى موفى فيفري 2026 (1676 مليون دينار مقابل 2100 مليون دينار في فيفري 2025)، بفعل ارتفاع قيمة الصادرات الطاقية بنسبة 55% مقابل تراجع الواردات بنسبة 10%[22]، انقلب المسار كليًا مع الأشهر الموالية: ارتفع العجز بنسبة 19% إلى موفى أفريل 2026 ليبلغ 4222 مليون دينار (مقابل 3548 مليون دينار في أفريل 2025)[23]، ثم تفاقم أكثر بنسبة 32% إلى موفى ماي 2026 ليصل إلى 5767 مليون دينار، مع تسجيل كل من الصادرات والواردات الطاقية ارتفاعًا متوازيًا بنسبة 32% أيضًا، في حين لم تتجاوز نسبة تغطية الصادرات الطاقية للواردات الطاقية 18% فقط خلال الفترة نفسها[24][25]. هذا التذبذب الحاد بين فيفري وماي ليس عشوائيًا، بل يعكس مباشرة صدمـة الأسعـار التي شهدها سوق النفط العالمي بداية من أفريل 2026، حين قفز سعر خام برنت بنحو 52.8 دولارًا للبرميل مقارنة بأفريل 2025، مدفوعًا بتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والمخاوف من اضطراب إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة عالميًا[23] — وهو ما يعني أن تونس، رغم كونها لا طرفًا في هذه التوترات ولا قريبة جغرافيًا منها، تتحمل مباشرة كلفتها عبر فاتورة استيرادها الطاقي.

وتكشف المعطيات الأكثر تفصيلًا لشهر ماي 2026 عمقًا إضافيًا لهذا التراجع: فقد بلغ الإنتاج الوطني للنفط نحو 0.5 مليون طن مكافئ نفط، بانخفاض 7% مقارنة بماي 2025 (0.54 مليون طن)، كما تراجع إنتاج سوائل الغاز (بما في ذلك إنتاج معمل قابس) بنسبة 12% ليبلغ 45 ألف طن مكافئ نفط فقط مقابل 51 ألف طن في الفترة نفسها[25] — أرقام تؤكد مجددًا أن تراجع الإنتاج المحلي وتقلبات الأسعار العالمية يتضافران في اتجاه واحد لا يخدم سوى اتساع الفجوة. وإذا ما قورنت وتيرة العجز الحالية بكلفته التاريخية، يتضح أن حجم الأزمة لم يتراجع فعليًا: فقد بلغت كلفة العجز الطاقي نحو 8983 مليون دينار خلال سنة 2023 كاملة، وهو مستوى تقترب منه أشهر قليلة فقط من سنة 2026 (5767 مليون دينار خلال خمسة أشهر فقط)، ما يرجّح أن يتجاوز إجمالي سنة 2026 عتبة السنوات السابقة إذا استمر هذا النسق التصاعدي حتى نهاية العام.

غير أن العجز التجاري الطاقي، رغم ثقله، لا يمثل سوى وجه واحد من كلفة الأزمة على الاقتصاد الوطني؛ إذ يتوجب التمييز منهجيًا بينه وبين مفهوم آخر مختلف تمامًا وإن كان مرتبطًا به وظيفيًا: نفقات دعم الطاقة على ميزانية الدولة، أي المبالغ التي تخصصها الخزينة العامة للحفاظ على أسعار المحروقات والكهرباء والغاز دون كلفتها الحقيقية للمستهلك النهائي. فقد قفزت هذه النفقات من 550 مليون دينار سنة 2011 إلى 7112 مليون دينار سنة 2025، أي ما يعادل قرابة 9% من إجمالي ميزانية الدولة التونسية لتلك السنة[26] — وهو عبء مالي مباشر على الخزينة العمومية، منفصل عن عجز الميزان التجاري وإن كان يغذيه من جهة أخرى. ويضاف إلى ذلك أن الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي لا يغطي، وفق بيانات المرصد ذاتها، سوى 23% فقط من الاستهلاك المحلي من هذه المادة[26] — وهو رقم أكثر دلالة وحدّة من نسبة الاستقلالية الطاقية الإجمالية (34%)، لأنه يعزل الغاز تحديدًا، أي المادة التي يعتمد عليها إنتاج الكهرباء بنسبة تناهز 91%.

في المحصلة، يتقاطع في هذا المحور ثلاثة مصادر متمايزة لكلفة الأزمة الطاقية على الاقتصاد الوطني: كلفة تجارية مباشرة (عجز الميزان الطاقي المتقلب بين 1.6 و5.8 مليار دينار بحسب الشهر)، وكلفة مالية-ميزانياتية (نفقات دعم تناهز 9% من ميزانية الدولة)، وكلفة جيوسياسية مستوردة (صدمات أسعار برنت المرتبطة بتوترات لا علاقة لتونس المباشرة بها). ويعكس حجم هذا التقاطع نفسه في البيانات الكلية للتجارة الخارجية، إذ تُظهر إحصاءات المعهد الوطني للإحصاء أن قطاع الطاقة كان مسؤولًا عن 55.6% من إجمالي اتساع العجز التجاري التونسي خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026[27]، وهي نسبة تتقارب مع حصته من العجز التجاري الإجمالي للنصف الأول من السنة (6.78 مليار دينار من أصل عجز كلي بلغ 12.6 مليار دينار)[28]، أي أن الطاقة وحدها تفسّر اليوم أكثر من نصف اختلال الميزان التجاري الوطني. وهذه الأبعاد الأربعة تتغذى من الجذر البنيوي نفسه: تراجع الإنتاج المحلي من المحروقات الذي يحوّل كل ارتفاع في الطلب أو في الأسعار العالمية إلى ضغط إضافي مباشر على الاقتصاد الوطني. يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: من يتحمل هذه الفجوة بين الكلفة والتسعير على المستوى المؤسساتي المباشر؟ وأي طرف يقف في قلب هذه المعادلة المالية المختلة؟

الوضعية المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز: جوهر الأزمة الحقيقي

كشفت جلسة استماع عُقدت بلجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب يوم 24 جوان 2026 حجم الأزمة المالية التي تتخبط فيها الشركة التونسية للكهرباء والغاز: ديون بلغت نحو 7356 مليون دينار حتى 23 جوان 2026، في مقابل مستحقات غير مستخلصة لدى مختلف الحرفاء والمؤسسات العمومية والخاصة ناهزت 6061 مليون دينار[29] — أي أن الشركة تقف في آن واحد على طرفي أزمة مـالية مزدوجة: مديونية ضخمة تجاه مورّديها ودائنيها، وأموال ضخمة عالقة لدى حرفائها لم تُستخلص بعد، ما يجعل حل مشكلة السيولة رهين إصلاحين متوازيين لا إصلاح واحد. وأوضح ممثلو الشركة، في الجلسة ذاتها، أن هذه الوضعية تفرض تعبئة موارد مالية واستثمارات إضافية لضمان استمرارية المؤسسة، فيما ركّزت مداخلات النواب على جدوى الاقتراض طويل المدى وآليات استخلاص الديون المتخلدة وسبل الحد من الفاقد الطاقي ومقاومة اختلاس الكهرباء[29].

وتكمن جذور هذه الأزمة، وفق ما عرضته الشركة نفسها أمام النواب، في بنية كلفة إنتاج مختلة بعمق: فكلفة المحروقات وحدها تمثل نحو 72% من كلفة إنتاج الكهرباء و89% من كلفة إنتاج الغاز الطبيعي[30]، في وقت لا يزال فيه إنتاج الكهرباء يعتمد، بحسب الأرقام التي قدمتها الشركة ذاتها، بنسبة تفوق 95% على الغاز الطبيعي[30] — وهي فجوة مباشرة بين تعرفة مجمّدة عند مستوى سياسي واجتماعي محدد وكلفة تزوّد متقلبة بالكامل رهن الأسواق الدولية. وهذا بالضبط ما يفسّر فجوة السعر مقابل الكلفة لسنة 2025: معدل سعر بيع الكهرباء لم يتجاوز 290.7 مليمًا للكيلوواط ساعة مقابل كلفة إنتاج بلغت 456.3 مليمًا، بينما بلغ معدل سعر بيع الغاز الطبيعي 647.4 دينارًا للطن المكافئ نفط مقابل كلفة إنتاج ناهزت 1497.7 دينارًا[30] — أي أن كل وحدة تُباع تُكرّس خسارة صافية للشركة بحكم القرار السياسي بتحمّل جزء من الكلفة نيابة عن المستهلك النهائي.

الهيكل المالي للشركة التونسية للكهرباء والغاز (مليون دينار)

تفاعلي

ولضمان استمرار هذا النظام التسعيري، تتحمّل الدولة التونسية اليوم عبئًا ماليًا مباشرًا يفوق 3 مليارات دينار سنويًا لتغطية جزء من كلفة إنتاج الكهرباء، بحسب تصريح وزير التجهيز والإسكان والمكلّف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة صلاح الزواري أمام البرلمان في جويلية 2026[32]، الذي أشار في المناسبة نفسها إلى أن تونس لا تزال تستورد نحو 80% من حاجياتها من الغاز الطبيعي وتؤمّن نحو 10% من حاجياتها من الكهرباء عبر التوريد[33]. هذا العبء المالي المباشر على خزينة الدولة يضاف إلى الديون المتراكمة لدى الشركة نفسها، ما يخلق دائرة مزدوجة من الضغط على المالية العمومية: دعم مباشر من جهة، وضمانات سيادية لقروض الشركة من جهة أخرى.

وفي مواجهة هذا الوضع، أُبرم بين الدولة والشركة، بتاريخ 5 فيفري 2025، عقد برنامج يمتد للفترة 2024-2028 يحدد أهدافًا كمّية دقيقة لاستعادة التوازنات المالية: الترفيع في مساهمة الطاقات المتجددة إلى 27% من إنتاج الكهرباء بحلول 2028 و35% بحلول 2030، وتقليص كلفة التزوّد بالطاقة بنسبة 23%، والحدّ من أعباء الدعم العمومي بما يفوق ملياري دينار، وتحسين النتيجة الصافية للشركة بما يناهز ثلاثة مليارات دينار، إضافة إلى تعبئة استثمارات خاصة تُقدّر بنحو 2.8 مليار دولار[31]. وتُرجم هذا البرنامج عمليًا يوم 14 جويلية 2026، حين صادق البرلمان على مشروعي قانونين لضمان قرضين جديدين لفائدة الشركة: الأول مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير بقيمة 384.8 مليون يورو (نحو 1269.8 مليون دينار)، والثاني بقيمة 30 مليون دولار بصفة البنك الدولي جهة معتمدة من صندوق التكنولوجيا النظيفة[33]، خُصصا لدعم مشروع الربط الكهربائي البحري بين تونس وإيطاليا وتمويل واردات الغاز الطبيعي وتحسين نجاعة القطاع وحوكمته ومساندة الانتقال نحو الطاقات النظيفة[34] — وهو ما يكشف مفارقة منهجية لافتة: الخروج من أزمة مديونية يمرّ، في المدى القصير على الأقل، عبر تعبئة مديونية إضافية، وإن كانت مضمونة وموجّهة نحو إصلاح هيكلي معلن.

والصلة بين هذه الأزمة المالية وأزمة تخفيف الأحمال التي عاشتها البلاد في جويلية 2026 ليست استنتاجًا نظريًا بل صلة وثّقها خبراء القطاع مباشرة: فقد أوضح المستشار الدولي في تشغيل شبكات الكهرباء شكيب بن ريانة، في تصريح إذاعي بتاريخ 22 جويلية 2026، أن تونس كانت تملك بالفعل دراسات استشرافية دقيقة لحاجياتها المستقبلية من الطاقة، إلا أن التعطيل المتكرر وتأخر اتخاذ القرارات وغياب التمويل تسبب في بقاء العديد من المحطات الكبرى مجرد "حبر على ورق"، وهو ما وسّع الفجوة بين العرض والطلب وأخّر إنجاز هدف إنتاج 1700 ميغاواط إضافية من الطاقات المتجددة[35]. وبعبارة أوضح، فإن نفس الأزمة المالية التي فصّلناها أعلاه — تراكم الديون، وتضخم كلفة الإنتاج، وارتفاع أسعار الغاز عالميًا، وتأخر استخلاص المستحقات — هي ذاتها من بين العوامل التي استند إليها تحليل إعلامي متخصص لتفسير الضغوط التي دفعت الشركة التونسية للكهرباء و الغــاز إلى اللجوء لتقسيط الكهرباء في ذروة الصيف[36]؛ فحين تفتقر شركة مثقلة بالديون إلى الهامش المالي الكافي لتمويل الصيانة الدورية وتوسيع القدرة الإنتاجية بالوتيرة المطلوبة، يتحوّل العجز المالي المزمن، مع أول موجة حر استثنائية، إلى عجز مباشر في الإنتاج وهو بالضبط ما وقع بين شهري جوان وجويلية 2026.

نتبين بعد كل هذه الأرقام تقاطــعا في وضعية الشركة التونسية للكهرباء و الغــاز بين ثلاثة اختلالات متزامنة: تسعيرة مجمّدة لا تتغير منذ سنوات بسبب قرار سياسي دون الكلفة الحقيقية، اعتماد شبه كلي على مادة أولية مستوردة ومتقلبة السعر، ودعم عمومي متصاعد يستنزف الميزانية العامة دون أن يحل جذر المشكلة. ونجاح خطة الإنقاذ بأكملها، بحسب الأهداف المعلنة رسميًا، يتوقف على بلوغ حصة الطاقات المتجددة 27% في غضون سنتين فقط من الآن. غير أن هذا الرهان يظل معلّقًا على سؤال جوهري: هل تسير وتيرة إدماج الطاقات المتجددة الفعلية على الأرض بما يواكب هذا الرهان المالي الكبير؟ وما مدى واقعية بلوغ هذا الهدف في الآجال المحددة؟

المنشآت والتوازنات المالية
التحديات المالية وصيانة محطات توليد الطاقة الكهربائية تأثير تفاعلي

بطء التحول نحو الطاقات المتجددة: إمكانات طبيعية كبيرة لا تواكبها وتيرة التنفيذ

تتمتع تونس بمعطيات طبيعية استثنائية للطاقة الشمسية، إذ يتراوح معدل الإشعاع الشمسي بين 1800 كيلوواط ساعة/م² سنويًا في الشمال و2600 كيلوواط ساعة/م² في الجنوب. وقد رفعت الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة سقف طموحها مؤخرًا: حيث أكد مديرها العام نافع البكاري، في تصريح بتاريخ 7 جويلية 2026، أن تونس تستهدف اليوم بلوغ 35% من إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، ثم 50% بحلول 2035، و80% بحلول 2050، علمًا أن النسبة الحالية لا تتجاوز 9% فقط — وأن البلاد تحتل المرتبة 62 عالميًا من بين 118 إلى 130 دولة في مؤشر الانتقال الطاقي (والثانية أفريقيًا)[37]. غير أن هذا التصنيف الدولي المشرّف نسبيًا لا يعكس وتيرة التنفيذ الفعلية على الأرض، إذ تبقى الفجوة بين 9% الحالية و35% المستهدفة خلال أربع سنوات فقط فجوة هائلة تتطلب تسريعًا غير مسبوق في وتيرة الإنجاز.

مزيج إنتاج الكهرباء في تونس (ماي 2026)

تفاعلي

وتكشف دراسة اقتصادية حديثة حجم الكلفة الفعلية لهذا التأخر: فمنذ إعلان أول برنامج طموح سنة 2018 لتركيز نحو 1000 ميغاواط من الطاقة الشمسية، لا تزال هذه المشاريع تتعثر منذ أكثر من سبع سنوات رغم اكتمال الجزء الأكبر من الدراسات الفنية والمالية، ويعزو مراقبون في القطاع هذا التعطل إلى بطء الإجراءات الإدارية وتغيّر السياسات وعدم وضوح الرؤية الحكومية في بعض الفترات، إلى جانب إشكاليات التمويل والشراكة مع القطاع الخاص؛ وقد قدّرت الدراسة ذاتها الخسائر المالية الناجمة عن عدم ربط هذه المشاريع بالشبكة الوطنية في الوقت المحدد بنحو 2.5 مليار دينار[38]. ويلتقي هذا التشخيص مع تصريح الخبير الدولي شكيب بن ريانة بخصوص تأخر إنجاز هدف الـ1700 ميغاواط الإضافية من الطاقات المتجددة بفعل تأخر القرارات وغياب التمويل[35] — أي أن بطء التحول الطاقي ليس مجرد قصور في الطموح، بل خسارة مالية وطاقية موثّقة ومُقاسة بالأرقام.

على صعيد الإنجاز الفعلي، بلغت القدرة المركّبة الإجمالية من الطاقات المتجددة نحو 1074 ميغاواط حتى فيفري 2026، موزعة بين 444 ميغاواط في القطاع السكني و113 ميغاواط للمؤسسات الصناعية والفلاحية، إضافة إلى محطات كبرى مثل محطة القيروان الشمسية (100 ميغاواط) ومشاريع في توزر وسيدي بوزيد؛ وأعلنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز، في جلستها البرلمانية بجوان 2026، عن عقود موقّعة بالفعل لإنتاج 500 ميغاواط إضافية، مع دخول 262 ميغاواط حيّز الاستغلال خلال سنتي 2025 و2026[29]. وتتواصل، بالتوازي، حركة إطلاق طلبات عروض جديدة حيث فتحت الوزارة، بين أفريل وجوان 2026، باب الترشح للجولة السادسة من نظام التراخيص المخصص للبيع الكلي بقدرة 200 ميغاواط[39]، وأطلقت في مارس 2026 طلب عروض لمحطة شمسية جديدة بمنطقة بازمة بولاية قبلي[40]، ضمن مسار أوسع يستهدف طلبات عروض إضافية بقدرة 600 ميغاواط للطاقة الشمسية و900 ميغاواط لطاقة الرياح، للوصول إلى قدرة مركّبة متجددة تناهز 4800 ميغاواط بحلول 2035[37].

ومع ذلك، يبقى صوت القطاع الخاص المهني نفسه أحد أوضح المؤشرات على استمرار العوائق: فقد دعا المجمّع المهني للطاقات المتجددة، في بيان بتاريخ 16 جويلية 2026 — أي في عز أزمة تخفيف الأحمال — كلًا من الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة والشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تسريع استكمال الإطارين الفني والتنظيمي اللازمين لدخول نظام تخزين الطاقة الكهربائية بالمنازل حيّز التنفيذ، مطالبًا بمراجعة المعاليم الديوانية المفروضة على الألواح الشمسية والبطاريات[41] — وهو حل يمكن أن يخفف الضغط عن الشبكة في ساعات الذروة تحديدًا، دون أن يتطلب استثمارات مركزية ضخمة من الشركة التونسية للكهرباء و الغــاز المثقلة أصلًا بالديون.

في المحصلة، نتبين أن الفجوة بين الهدف المعلن (35% سنة 2030) والواقع الحالي (9% فقط) ليست فجوة طموح بقدر ما هي فجوة تنفيذ موثّقة بخسائر مالية ملموسة وتأخيرات إدارية معترف بها رسميًا. ويستدعي ذلك سؤالًا أكثر إلحاحًا: إذا كانت كل هذه العوائق البنيوية معروفة ومُشخّصة بدقة منذ سنوات، فمن يتحمّل فعليًا هذا الضغط المتصاعد على الشبكة في ظل غياب البديل المتجدد الكافي؟ وهل ينزّل هذا الضغط بشكل متساوٍ على كل فئات المستهلكين؟

مشاريع الطاقة المتجددة في تونس
التحول نحو الطاقات الشمسية والريحية وأهمية الربط الشبكي والتخزين تأثير تفاعلي

بنية الاستهلاك وتخفيف الأحمال: من يتحمّل ضغط الذروة؟

يصبح التوازن اللحظي بين العرض والطلب أكثر هشاشة إذا ما فُهمت بنية الاستهلاك نفسها: فحسب بيانات المبيعات بالجهد العالي والمتوسط إلى موفى ماي 2026، يظل القطاع الصناعي أكبر مستهلك بنسبة تناهز 60% من إجمالي هذا النوع من الطلب[42]، مع تسجيل تراجع في بعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك مثل الصناعات الكيميائية والنفطية (-6%) وصناعة مواد البناء (-4%)، مقابل ارتفاع في صناعة الورق والنشر (+7%) والضخ الفلاحي (+6%)[42]. أما على مستوى إجمالي الاستهلاك الوطني (بما يشمل الجهد المنخفض السكني)، فإن القطاع السكني يبقى من أكبر مكونات الطلب، خصوصًا خلال أشهر الصيف بفعل الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف في المنازل والإدارات والمحلات التجارية، وهو ما يفسر تزامن ذروة الاستهلاك السنوية مع ذروة موجات الحر التي فجّرت أزمة جويلية 2026 تحديدًا.

وعلى صعيد الطاقة عمومًا لا الكهرباء فقط، أوضح المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة نافع البكاري أن قطاع البناء (بما يشمل السكن والخدمات) يستحوذ على النصيب الأكبر من إجمالي استهلاك الطاقة في تونس بنسبة 36%، يليه قطاع النقل بنسبة 34%[37]، وهما معًا يمثلان أكثر من ثلثي الاستهلاك الوطني للطاقة — ما يوضح أن معالجة الأزمة تتطلب وضع سياسة نجاعة طاقية شاملة تتجاوز قطاع الكهرباء وحده لتستهدف تحديدًا هذين القطاعين. وبذلك يتّضح أن تخفيف الأحمال ليس قرارًا تعسفيًا ولا مؤامرة كما يُشاع أحيانًا، بل نتيجة حسابية مباشرة لثلاثة عوامل تتقاطع في اللحظة نفسها: طلب صناعي وسكني متصاعد بنيويًا، هامش احتياط إنتاجي متآكل أمام ذروة الطلب الصيفي، وعجز مالي يحدّ من قدرة الجهة المشغّلة على توسيع القدرة الإنتاجية أو تسريع البديل المتجدد بالوتيرة المطلوبة. فهل هذه الأزمة، في جوهرها، أزمة تقنية بحتة، أم مالية، أم طاقية؟ أم أنها الثلاثة معًا في آنٍ واحد؟

هل الأزمة تقنية أم مالية أم طاقية؟

يفضي تفكيك محاور هذه الأزمة، محورًا بعد آخر، إلى إمكانية حسم سؤال ظل يتصدّر النقاش العام في تونس طوال صيف 2026: هل يتعلق الأمر بعطب تقني عابر، أم بأزمة مالية بحتة، أم بمجرد تجلٍّ لهشاشة طاقية هيكلية؟ تُفضي القراءة المتأنية للمعطيات المستعرضة إلى استنتاج مفاده أن هذه الأبعاد الثلاثة لا تشكّل تفسيرات متنافسة، بل طبقات سببية متراكبة لظاهرة واحدة، وأن ترتيبها المنطقي — لا مجرد إحصائها — هو ما يمنح هذه القراءة قيمتها التحليلية. فالبعد التقني، المتمثل في تآكل هامش الاحتياط الإنتاجي أمام ذروة الطلب الصيفي الذي بلغ أوجه في الفجوة الفاصلة بين 6000 و4400 ميغاواط خلال جويلية 2026، لا يشكّل السبب الجذري للأزمة بقدر ما يمثّل عرَضها الأكثر وضوحًا للعيان. ذلك أن هذا التآكل ذاته نتاج مباشر لعجز مالي مزمن تراكم لدى الشركة التونسية للكهرباء والغــاز، تختزله مديونية تجاوزت 7.3 مليار دينار وفجوة تفوق 165 مليمًا لكل كيلوواط ساعة بين الكلفة الحقيقية للإنتاج والتعريفة المعتمدة للبيع — وهو عجز حال دون تمويل أشغال الصيانة الدورية وتوسيع القدرة الإنتاجية بالوتيرة التي يفرضها نمو الطلب، وفق ما تؤكده شهادات خبراء القطاع أنفسهم. غير أن هذا العجز المالي لا يقوم بدوره بمعزل عن بعده الطاقي الأعمق: إذ يظل اعتماد المنظومة الكهربائية شبه الكلي (بما يفوق 91%) على غاز طبيعي يتراجع إنتاجه المحلي بنسق متواصل منذ عقود، عاملًا يُبقي تونس رهينة تقلبات الأسعار في الأسواق الدولية، على نحو ما تجسّد في الصدمة السعرية التي بلغت 52.8 دولارًا للبرميل عند خام برنت خلال أفريل 2026، دون أن تتوفر للبلاد هوامش إنتاجية محلية تُمكّنها من امتصاص هذه الصدمات. يتّضح بذلك أن العلاقة بين الأبعاد الثلاثة تسلسلية لا تراكمية: البعد الطاقي يغذّي البعد المالي، والبعد المالي يُفضي بدوره إلى تجلٍّ تقني للأزمة على الشبكة الكهربائية — وهو ما يحمل دلالة عملية بالغة الأهمية: فمعالجة الانقطاعات عبر تدخلات تقنية محضة، كأشغال الصيانة أو تحديث الشبكة، من دون معالجة جذرية للبعدين المالي والطاقي، لن تتجاوز كونها حلا مؤقتا لأزمة مرشّحة للتكرر، بصيغ متجددة، في كل موسم صيفي مقبل.

بيد أن هذا التشخيص التحليلي، مهما بلغت دقته المنهجية، يظل قاصرًا ما لم يُقرأ في ضوء كلفته البشرية والاقتصادية المباشرة — وهي كلفة تجاوزت، خلال صيف 2026، عتبة الإزعاج المعيشي اليومي إلى مستوى أكثر خطورة بكثير. فقد أفاد رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبّان، الدكتور وجيه ذكار، استنادًا إلى معطيات ميدانية جمّعها أطباء شبّان من أكثر من ثلاثين مستشفى عمومي وجامعي عبر الجمهورية، بأن عدد الوفيات المرتبطة بضربات الشمس تراوح بين 150 و200 حالة خلال أيام معدودة من موجة الحر[43]، من بينها وفيات تُعزى مباشرة إلى انقطاع التيار الكهربائي لمرضى يعتمدون على أجهزة الأكسجين المنزلي، وأخرى سُجّلت داخل أقسام الإنعاش والاستعجالي في مستشفيات عمومية كمستشفى شارل نيكول[45] والقيروان — الذي أحصى وحده نحو 18 وفاة خلال 72 ساعة — والمهدية[44]. والأدهى من الرقم نفسه أن رئيس المنظمة استنكر ما وصفه بـ"التعتيم" التام الذي انتهجته وزارة الصحة، مؤكدًا أن تقديرات منظمته بقيت، إلى حدود كتابة هذه الورقة، المصدر الوحيد المتاح للرأي العام، في غياب أي بلاغ أو إحصائية رسمية صادرة عن الوزارة، رغم دعوات متكررة إلى التواصل المباشر مع المواطنين على غرار ما جرى إبّان جائحة كوفيد-19[43][45]. ولم تقتصر تبعات الأزمة على البعد الصحي، بل امتدت لتطال الاقتصاد والأمن العام في آنٍ معًا: فقد نددت منظمات رجال الأعمال بالانقطاعات المتكررة وأثرها على استمرارية النشاط التجاري والصناعي[48]، في حين أذنت النيابة العمومية بفتح أبحاث عدلية عاجلة في ملابسات قطع التيار عن عدة مناطق[46]، وسط احتجاجات ميدانية — كتلك التي شهدها مقر الشركة التونسية للكهرباء والغــاز بنابل — بلغت حدّ تسجيل حالات اختناق بقابس إثر تسرّب غاز حمض الكبريتيك تزامن مع انقطاع التيار عن منظومة السلامة الصناعية هناك[47]. تمنح هذه الحصيلة الإنسانية والاقتصادية المباشرة هذه الورقة التحليلية إلحاحيتها الفعلية: فأزمة الكهرباء والغاز في تونس لم تعد قضية تقنية تُدار في الغرف المغلقة، بل شأنًا عامًا يمسّ مباشرة حياة المواطنين وسلامتهم ومصالحهم الاقتصادية اليومية.

خاتمـــة

تكشف هذه القراءة التحليلية أن أزمة الكهرباء والغاز في تونس ليست حادثًا ظرفيًا أفرزته موجة حر استثنائية، بل محصلة تراكمات بنيوية امتدت على أكثر من عقدين وتقاطعت جميعها في صيف واحد لتُنتج المشهد الذي عاشته البلاد خلال جويلية 2026. فمن جهة، يواصل الإنتاج المحلي من المحروقات تراجعه المتصل منذ مطلع الألفية، حاملًا معه انهيارًا متسارعًا لمؤشر الاستقلالية الطاقية من نحو نصف الحاجيات الوطنية قبل عقدين إلى 34% فقط اليوم؛ ومن جهة أخرى، تجد الشركة التونسية للكهرباء والغاز نفسها حبيسة معادلة مالية مستحيلة، تبيع فيها كل وحدة كهرباء أو غاز بأقل من كلفة إنتاجها الحقيقية، فتتراكم ديونها إلى ما يفوق 7.3 مليار دينار بينما يتجاوز الدعم العمومي المباشر 3 مليارات دينار سنويًا دون أن يحل جذر الاختلال؛ وفي موازاة ذلك كله، يبقى التحول نحو الطاقات المتجددة حبيس وعود متكررة منذ سنة 2018 لم تتجاوز نسبتها الفعلية 9% من مزيج الإنتاج، رغم إمكانيـات شمسية وريحية تُصنَّف من بين الأفضل إقليميًا. هذه الأبعاد الثلاثة — الإنتاجي والمالي والطاقي — لا تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بل تغذّي إحداها الأخرى في حلقة مفرغة ينتهي طرفها الأخير عند المواطن الذي يفقد التيار الكهربائي في منزله أو مستشفاه، وعند الاقتصاد الذي يخسر إنتاجيته وثقة مستثمريه، كما تجلّى بوضوح في الكلفة البشرية الموثّقة التي رافقت أزمة هذا الصيف.

غير أن أي إصلاح تقني أو مالي لن يكتمل أثره ما لم يقترن بحدّ أدنى من الشفافية العمومية تجاه المواطن، الذي تحمّل خلال هذا الصيف كلفة إنسانية موثّقة تجاوزت حدود الإزعاج المعيشي إلى مصاف قضايا الصحة العامة والسلامة الاقتصادية. فأزمة الكهرباء والغاز في تونس، في نهاية المطاف، ليست ملفًا تقنيًا معزولًا يُدار خلف الأبواب المغلقة، بل قضية أمن اقتصادي واجتماعي وطني بامتياز، لا يمكن حلّها إلا برؤية استراتيجية طويلة المدى تُعيد التوازن المالي للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وتُنوّع مصادر الطاقة الوطنية، وتُقلّص الاعتماد على الاستيراد — حفاظًا على أمن التزود بالكهرباء واستقرار الاقتصاد الوطني، وصونًا لحياة المواطنين وسلامتهم في السنوات المقبلة. تفصّل التوصيات الموالية المسارات العملية الكفيلة بتحقيق هذه الرؤية.

التوصيــات

لا تنبع الخيارات المعروضة في هذا التوصيات من اجتهاد تحليلي مجرّد، بل من تقاطع تشخيص الورقة مع ما أجمع عليه خبراء ومختصو قطاع الطاقة أنفسهم في تصريحاتهم العلنية خلال أزمة صيف 2026. فقد شدّد المستشار الدولي في تشغيل شبكات الكهرباء شكيب بن ريانة على أن الحل الفعلي للقطاع "لا يقتصر على بناء المحطات فقط، بل يتطلب رؤية شاملة"[35] تعتمد على تحديث شبكات النقل والتوسع في مشاريع البطاريات وتحويل النفايات إلى طاقة وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي مع الجزائر وليبيا وأوروبا لضمان أمن طاقي مستدام يمنع تكرار سيناريو العتمة مستقبلًا[49]، فيما أكد خبراء آخرون في القطاع أن الحلول متوفرة فعليًا وتتمثل في تخفيض الرسوم الديوانية على الألواح الشمسية والبطاريات، واستكمال الإطار القانوني الخاص بتخزين الطاقة، وتقليص آجال ربط المشاريع بالشبكة، وضمان حياد إدارة الشبكة، إلى جانب وضع استراتيجية طاقية مستقرة تشجّع الاستثمار وتدعم الانتقال نحو الطاقات النظيفة[50]. تترجم الخيارات الستة التالية هذا التوافق بين الخبراء و الدراسات إلى مسار عملي، مرتّب من الأعمق بنيويًا إلى الأبعد استشرافًا، بما يضع أمن تونس الطاقي على أفق زمني يمتد إلى 2030 و2035 و2050.

الخيار الأول: تسريع تنفيذ عقد البرنامج 2024-2028

يبقى عقد البرنامج المبرم بين الدولة والشركة التونسية للكهرباء والغاز بتاريخ 5 فيفري 2025 الإطار المرجعي الأشمل للإصلاح، بأهدافه الكمّية الواضحة (27% من الطاقات المتجددة بحلول 2028، خفض كلفة التزوّد 23%، تحسين النتيجة الصافية للشركة بنحو 3 مليارات دينار). التحدي الأساسي، كما يشخّصه خبراء القطاع أنفسهم، ليس في غياب الرؤية بل في وتيرة التنفيذ؛ ما يستدعي آلية متابعة دورية علنية تُترجم الأهداف التعاقدية إلى مؤشرات إنجاز قابلة للتتبع من قبل الرأي العام والبرلمان على حد سواء.

الخيار الثاني: إصلاح تدريجي لمنظومة التسعير

تشكّل الفجوة بين كلفة الإنتاج الحقيقية وسعر البيع المعتمد (165.6 مليمًا لكل كيلوواط ساعة كهرباء) الجذر المالي المباشر لمديونية الشركة التونسية للكهرباء والغــاز. إصلاح تدريجي ومدروس لهذه المنظومة، يقترن بدعم موجَّه للفئات الهشة بدل الدعم الشامل غير المستهدف، يمثّل السبيل الوحيد لوقف هذا النزيف عند مصدره لا عند نتائجه المتراكمة.

الخيار الثالث: تبسيط الترخيص وتسريع الربط الشبكي للطاقات المتجددة

تكشف تجربة السنوات الماضية أن أبرز عوائق التحول الطاقي إدارية وتمويلية لا تقنية: بطء إجراءات الربط بالشبكة، وتعقيد منظومة التراخيص، ومحدودية الاستثمار الخاص. وهو التشخيص عينه الذي خلص إليه خبراء القطاع عند دعوتهم صراحة إلى تقليص آجال ربط المشاريع بالشبكة وضمان حياد إدارة الشبكة[50]، إلى جانب تسريع اعتماد أنظمة التخزين المنزلي التي طالب بها المهنيون أنفسهم عبر مجمّعهم القطاعي[41]، بما يوفّر للشبكة هامش مرونة إضافيًا في ساعات الذروة دون انتظار استثمارات مركزية ضخمة تعجز عنها خزينة مثقلة أصلًا بالديون.

الخيار الرابع: تحسين استخلاص المستحقات والنجاعة الطاقية القطاعية

تُثقل المستحقات غير المستخلصة لدى المؤسسات العمومية والخاصة (نحو 6 مليار دينار) خزينة الشركة التونسية للكهرباء والغــاز بقدر ما تُثقلها كلفة الاستيراد؛ ما يجعل تحسين آليات التحصيل إجراءً منخفض الكلفة وسريع الأثر نسبيًا. بالتوازي، فإن استهداف قطاعي البناء والنقل بسياسات نجاعة طاقية مخصّصة — بوصفهما أكبر مستهلكَين للطاقة على المستوى الوطني (36% و34% على التوالي) — يخفّف الضغط على الطلب الإجمالي من مصدره بدل الاكتفاء بمعالجة جانب العرض فقط.

الخيار الخامس: رؤية استراتيجية طويلة المدى للشبكة والربط الإقليمي (أفق 2035-2050)

يتجاوز البعد الاستشرافي لهذه الأزمة الإصلاحات القصيرة المدى: فقد دعا خبراء القطاع إلى رؤية شاملة تتضمن تحديث شبكات النقل الكهربائي ذاتها، لا الاكتفاء بإضافة محطات إنتاج جديدة، إلى جانب التوسع في مشاريع تحويل النفايات إلى طاقة وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي مع الجزائر وليبيا وأوروبا كصمام أمان يمنع تكرار أزمات العجز اللحظي مستقبلًا[49]، بما ينسجم مع مسار الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة الرسمي الذي يستهدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 50% من إنتاج الكهرباء بحلول 2035 و80% بحلول 2050[37]. اعتماد هذا الأفق الاستراتيجي الممتد، بدل الاكتفاء بأهداف 2028 القريبة، هو ما يحوّل الإصلاح من استجابة لأزمة راهنة إلى تخطيط استباقي لمستقبل الأمن الطاقي التونسي.

الخيار السادس: تعزيز الشفافية العمومية تجاه المواطن

لا يمكن لأي إصلاح تقني أو مالي أن يستعيد ثقة الرأي العام في ظل غياب تواصل رسمي واضح حول الكلفة الصحية والاقتصادية الفعلية للأزمة، كما تجلى في صمت وزارة الصحة عن حصيلة الوفيات المرتبطة بموجة الحر وانقطاع الكهرباء. نشر بيانات رسمية دورية، على غرار ما جرى خلال جائحة كوفيد-19، يبقى شرطًا أساسيًا لأي استراتيجية إصلاح تحظى بالمصداقية الشعبية اللازمة لاستمراريتها.

قائـــمة المصـــادر

رُقّمت المصادر أدناه بما يطابق تمامًا أرقام الإحالة [1] إلى [50] الواردة داخل متن الورقة، بحيث يمكن لأي قارئ أو صحفي أو باحث التحقق المباشر من كل معطى رقمي أو تصريح ورد في التحليل. كما صُنِّف كل مصدر بحسب طبيعته: [رسمي] نشريات وبيانات حكومية أو مؤسساتية رسمية، [برلماني] محاضر جلسات ومداولات مجلس نواب الشعب، [تصريح خبير] تصريحات مسؤولين أو مختصين في القطاع، [نقابي/مهني] بيانات وتصريحات منظمات نقابية أو مهنية، [إعلامي] تغطيات صحفية عامة.

  • 1. [رسمي] المرصد الوطني للطاقة والمناجم — تقرير "الظرف الاقتصادي" لشهر ماي 2026 (أرقام الإنتاج، الواردات، حصة الستاغ من الإنتاج).
  • 2. [رسمي] المرصد الوطني للطاقة والمناجم — تقرير الوضع الطاقي لشهر أفريل 2026 (نسبة الطاقات المتجددة 8.2%).
  • 3. [إعلامي] تقرير صحفي نقلًا عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم (حصة الغاز الطبيعي 91% من مزيج الإنتاج، واستهلاك قطاع الكهرباء نحو 65% من إجمالي الطلب الوطني على الغاز).
  • 4. [تصريح خبير] تصريحات فيصل طريفة، الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، لإذاعة "ديوان إف إم" (برنامج ناس الديوان)، 15 جويلية 2026.
  • 5. [إعلامي] تحقيق تدقيقي (فاكت-تشيك) لموقع "تفنيد" — تأكيد واقعة العطب التقني بمحطة سيدي عقبة، ولاية بسكرة، شرقي الجزائر، بتاريخ 15 جويلية 2026.
  • 6. [نقابي/مهني] تصريح عاطف بوعبد الله، عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز، لجريدة "الخبير" الإلكترونية (رقما 6000/4400 ميغاواط، تصريح نقابي غير رسمي).
  • 7. [إعلامي] تقارير إعلامية (موقع "ألترا صوت") — بخصوص انقطاع الكهرباء الشامل في ليبيا وفقدان الشبكة نحو 1350 ميغاواط من قدرتها الإنتاجية.
  • 8. [رسمي] المرصد الوطني للطاقة والمناجم — نشرية الوضع الطاقي، فيفري 2025.
  • 9. [رسمي] المرصد الوطني للطاقة والمناجم — نشرية الوضع الطاقي، أكتوبر 2025.
  • 10. [رسمي] المرصد الوطني للطاقة والمناجم — نشرية الوضع الطاقي، مارس 2026.
  • 11. [رسمي] المرصد الوطني للطاقة والمناجم — مؤشرات الربع الأول 2026، كما نقلها موقع Zoom Tunisia.
  • 12. [رسمي] المرصد الوطني للطاقة والمناجم — تقرير الوضع الطاقي، أفريل 2026، كما نقلته صحيفة Assarih.
  • 13. [إعلامي] موقع "الطاقة" (attaqa.net) — اتفاقية إيني/سيتاب لحفر بئر بحقل البرمة، جانفي 2025.
  • 14. [إعلامي] موقع "الطاقة" (attaqa.net) — "أكبر صفقات الطاقة في تونس خلال 9 أشهر"، أكتوبر 2025.
  • 15. [إعلامي] بوابة تونس (tunigate.net) — برنامج تطوير حقل البرمة إلى غاية 2030، أكتوبر 2025.
  • 16. [إعلامي] موقع "الطاقة" (attaqa.net) — "حقل البرمة: حكاية أول اكتشاف نفطي في تونس"، جوان 2026.
  • 17. [إعلامي] موقع "الطاقة" (attaqa.net) — "واقع احتياطيات النفط والغاز يفرض تحديات هيكلية"، مارس 2026.
  • 18. [إعلامي] جريدة الصباح نيوز نقلًا عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم — نشرية نوفمبر 2024.
  • 19. [إعلامي] موقع Ultra Tunisia نقلًا عن المرصد — نشرية جويلية 2025.
  • 20. [إعلامي] موقع Ultra Tunisia نقلًا عن المرصد — نشرية أوت 2024.
  • 21. [إعلامي] موقع Ultra Tunisia نقلًا عن المرصد — نشرية مارس 2026.
  • 22. [إعلامي] المصدر تونس / ويب مانجر سنتر نقلًا عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم — عجز الميزان التجاري الطاقي، فيفري 2026.
  • 23. [إعلامي] جريدة الخبير (lexpertjournal.net) — عجز أفريل 2026، ارتفاع سعر خام برنت 52.8 دولارًا، مخاوف مضيق هرمز.
  • 24. [إعلامي] أفريكان مانجر نقلًا عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم — عجز ماي 2026 (+32%، 5767 مليون دينار).
  • 25. [إعلامي] Ultra Tunisia نقلًا عن وزارة الصناعة والمناجم والطاقة — تفاصيل إنتاج النفط وسوائل الغاز ونسبة تغطية الواردات، ماي 2026.
  • 26. [إعلامي] Nawaat — نفقات دعم الطاقة 2011-2025 (550 إلى 7112 مليون دينار)، وتغطية الإنتاج المحلي للغاز (23%).
  • 27. [إعلامي] Ultra Tunisia نقلًا عن المعهد الوطني للإحصاء — حصة الطاقة من العجز التجاري الكلي (55.6%)، الأشهر الأربعة الأولى من 2026.
  • 28. [إعلامي] Union of Arab Banks نقلًا عن المعهد الوطني للإحصاء — العجز التجاري الكلي والطاقي، النصف الأول من 2026.
  • 29. [برلماني] موزاييك إف إم / جريدة الخبير — جلسة استماع لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، 24 جوان 2026.
  • 30. [برلماني] تونس الرقمية / جريدة الخبير — تفاصيل الجلسة (بنية الكلفة، فجوة السعر والكلفة).
  • 31. [رسمي] أفريكان مانجر — أهداف عقد البرنامج 2024-2028.
  • 32. [برلماني] أفريكان مانجر — تصريح وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري.
  • 33. [برلماني] Ultra Tunisia — مصادقة البرلمان على قرضي الضمان، 14 جويلية 2026.
  • 34. [برلماني] تونس الرقمية — خريطة قروض البرلمان لفائدة الستاغ.
  • 35. [تصريح خبير] ويب مانجر سنتر — تصريح الخبير الدولي شكيب بن ريانة لإذاعة إكسبرس إف إم، 22 جويلية 2026.
  • 36. [إعلامي] العربي الجديد (alaraby.co.uk) — الضغوط المفسّرة للجوء إلى تقسيط الكهرباء، جويلية 2026.
  • 37. [تصريح خبير] ويب مانجر سنتر — تصريح المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة نافع البكاري، 7 جويلية 2026.
  • 38. [إعلامي] Zoom Tunisia — تعثر مشاريع الطاقة الشمسية منذ 2018 وخسائرها المالية (2.5 مليار دينار).
  • 39. [رسمي] سولارابيك — الجولة السادسة من تراخيص البيع الكلي، 200 ميغاواط، أفريل-جوان 2026.
  • 40. [رسمي] موقع "الطاقة" (attaqa.net) — طلب عروض محطة بازمة بقبلي، مارس 2026.
  • 41. [نقابي/مهني] أفريكان مانجر — دعوة المجمّع المهني للطاقات المتجددة لتسريع التخزين المنزلي ومراجعة المعاليم الديوانية، 16 جويلية 2026.
  • 42. [إعلامي] تونس الرقمية / موقع "قصة صفاقس" (histoiredesfax.com) نقلًا عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم — تقرير الوضع الطاقي، ماي 2026 (حصة القطاع الصناعي من طلب الجهد العالي والمتوسط).
  • 43. [تصريح خبير] ويب مانجر سنتر — تصريح رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان وجيه ذكار، 24 جويلية 2026 (150-200 وفاة، تعتيم وزارة الصحة).
  • 44. [إعلامي] الرأي الجديد — تفاصيل حالات الوفاة (مستشفى القيروان، انقطاعات بالمستشفيات وأقسام الإنعاش).
  • 45. [إعلامي] Ultra Tunisia — شهادات عائلات حول وفيات مرضى الأكسجين المنزلي عقب انقطاع الكهرباء، ومستشفى شارل نيكول.
  • 46. [إعلامي] Ultra Tunisia / إذاعة موزاييك إف إم — فتح أبحاث عدلية بخصوص ملابسات قطع الكهرباء، 22 جويلية 2026.
  • 47. [إعلامي] Ultra Tunisia — احتجاجات نابل وحادثة تسرب غاز حمض الكبريتيك بقابس، وبيان اتحاد الشغل.
  • 48. [نقابي/مهني] أفريكان مانجر — منظمة رواد الأعمال تندد بالانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، 24 جويلية 2026.
  • 49. [تصريح خبير] ويب مانجر سنتر — تصريح الخبير الدولي شكيب بن ريانة الكامل (الرؤية الشاملة: تحديث الشبكات، البطاريات، تحويل النفايات لطاقة، الربط الإقليمي)، 22 جويلية 2026.
  • 50. [تصريح خبير] موقع جماهير (jamahir.tn) — تصريحات خبراء الطاقة حول الحلول المتوفرة (تخفيض الرسوم الديوانية، الإطار القانوني للتخزين، تقليص آجال الربط، حياد الشبكة)، جويلية 2026.
Contact