أعادت أزمات الماء والكهرباء وارتفاع الأسعار التونسيين إلى النقاش والاحتجاج. في البداية كان الأمر مجرد تعليق: «الضو مقصوص من الصباح». ثم جاء الرد الأول: «حتى عنا». والثاني: «والماء زادة». وبعد ساعات، لم يعد النقاش عن عطب تقني فقط. ظهر السؤال الذي يفتح باب السياسة: من المسؤول؟ وفي بعض المدن، خرج الغضب من شاشة الهاتف إلى الطريق. فهل عاد التونسيون إلى التعبير فحسب، أم بدأ المجتمع يستعيد قدرته على الانتفاض؟
الانتفاضة لا تبدأ لحظة خروج الجميع إلى الشارع؛ قد تبدأ حين يكتشف كل غاضب أنه ليس وحده.
سنوات الصمت الذي لم يكن صمتًا
كان يكفي أن تلتقي صديقًا بعد نشر موقف سياسي على فيسبوك حتى تسمع العبارة المألوفة: «قريت إلي كتبتو وعندك الحق... أما ما حبيتش نعلّق». لم يكن صاحبها غير مهتم. لقد قرأ وفهم وكون موقفًا، وربما وافق عليه، لكنه اختار ألا يترك وراءه إعجابًا أو تعليقًا أو مشاركة تكشف للآخرين ما يفكر فيه.
لا توجد إحصائية تحصي التعليقات التي كُتبت ثم مُسحت، ولا الآراء التي انتقلت من الصفحة العامة إلى Messenger، ولا الكلمات التي عُدلت قبل الضغط على «نشر». ومع ذلك، تكشف هذه التفاصيل تحولًا عميقًا: الرأي لم يختفِ، لكن مقدار ظهوره تقلص. أصبح المواطن يحسب المسافة بين ما يعتقده وما يستطيع قوله علنًا.
صدر المرسوم عدد 54 في 13 سبتمبر 2022 لمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. لكن الجدل تركز على الفصل 24 الذي يقرر، في الحالات التي يحددها، خمس سنوات سجنًا وخطية بخمسين ألف دينار، مع مضاعفة العقوبة إذا كان المستهدف موظفًا عموميًا أو في حكمه. وبعد تعدد التتبعات، لم تعد المحكمة مكانًا يصل إليه المتهم وحده؛ أصبحت أخبار الاستدعاءات والأحكام تصل إلى ملايين المستخدمين وتدخل في حساباتهم اليومية.
في جانفي 2026، أفاد بيان مشترك نشرته مراسلون بلا حدود، وشاركت فيه منظمات تونسية بينها نقابة الصحفيين، بأن 28 صحفيًا خضعوا لتتبعات على خلفية استعمال المرسوم. وفي ماي من العام نفسه، حُكم على الصحفي زياد الهاني بسنة سجن استنادًا إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات بعد تصريحات انتقد فيها قرارًا قضائيًا، ثم أُيد الحكم استئنافيًا. كما حكم على النائب أحمد السعيداني بثمانية أشهر بعد منشور ساخر على فيسبوك. وفي المقابل، ترفض السلطة اتهامات استهداف المنتقدين، وتؤكد أن القضاء يطبق القانون وأن الحريات مضمونة.
لا تثبت هذه القضايا وحدها أن التونسيين صمتوا جميعًا بسبب المرسوم. لكنها تفسر ما يسميه فقه حرية التعبير «الأثر الردعي»: ألا تقف آثار العقوبة عند الشخص المعني، بل تمتد إلى آخرين يغيرون سلوكهم خوفًا من احتمال مماثل. وقد لا يحتاج الردع إلى ملاحقة آلاف الأشخاص؛ يكفي أحيانًا أن يرى الآلاف ما حدث لشخص واحد.
الخوف لا يتوزع بالتساوي
ليس كل كلام متساويًا في أثره، وليس كل المتكلمين في الموقع نفسه. تعليق يقرأه عشرات الأشخاص لا يملك القدرة نفسها التي يملكها صحفي أو سياسي أو نقابي أو ناشط أو صانع محتوى يتابعه الآلاف. وكلما اتسع جمهور المتكلم، زادت قدرته على نقل الرأي الفردي إلى نقاش عام، وعلى منح الآخرين لغة يعبرون بها عن غضبهم.
لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن حجم الجمهور معيار رسمي للاستهداف. لكن حضور أصحاب التأثير ضمن أبرز القضايا يطرح سؤالًا مشروعًا: هل تصبح العبارة أكثر حساسية بسبب مضمونها وحده، أم أيضًا بسبب عدد الذين يمكن أن تصل إليهم؟ فملاحقة صاحب صوت مؤثر لا تردعه وحده؛ قد تتحول قضيته إلى رسالة يقرأها متابعوه جميعًا.
قد لا يكون ضروريًا إسكات الجميع واحدًا واحدًا؛ فقد يكفي إسكات من يمنح الآخرين الجرأة على الكلام.
حين أصبحت كلفة الصمت أعلى
بينما ارتفعت الكلفة المتصورة للكلام، كانت كلفة أخرى ترتفع داخل البيوت: الأسعار، البطالة، ضعف النقل، نقص الأدوية، وانقطاعات الماء والكهرباء. وأظهرت نتائج الباروميتر العربي المنشورة في جويلية 2026، استنادًا إلى مسح أُنجز أواخر 2025، أن 44% من التونسيين يعتبرون الاقتصاد أهم تحدٍّ تواجهه البلاد، فيما وصف 68% الوضع الاقتصادي بأنه سيئ أو سيئ جدًا.
وقال 24% فقط إنهم مهتمون بالسياسة، وهي أدنى نسبة سجلها الباروميتر في تونس منذ 2011. لكن هذا الانسحاب الظاهر يخفي مفارقة: يستطيع المواطن أن يقول إنه لا يهتم بالسياسة، ثم يقضي ساعات يناقش الأسعار والمستشفى والنقل والماء والكهرباء. ربما لم يعد يدخل السياسة من باب الحزب أو الأيديولوجيا؛ بل من باب حياته الخاصة.
خلال صيف 2026، جعلت موجة الحر والانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء الأزمة ملموسة على نحو لا يسمح بالابتعاد عنها. وثقت تقارير صحفية احتجاجات ليلية وقطع طرق في مناطق متعددة، كما رُفعت في العاصمة شعارات ربطت بين الظلام والعطش وارتفاع الأسعار والسجون. لم تعد المشكلة مجرد عطب في شبكة؛ تحولت إلى سؤال عن إدارة الدولة، والاستثمار في المرافق، والمسؤولية والمحاسبة.
هنا تغيرت المعادلة النفسية. لم يعد السؤال فقط: «ماذا قد يحدث إذا تكلمت؟» بل أصبح أيضًا: «ماذا سيحدث إذا استمرت الأوضاع وبقينا صامتين؟». الخوف لم يختفِ، لكن الغضب بدأ ينافسه. ومع دخول الأزمة إلى البيت، أصبح سبب الكلام أقوى لدى جزء من الجمهور من سبب الصمت.
أين عادت الجرأة؟
لا تعود المشاركة بالقدر نفسه في كل مكان. تبدو أكثر وضوحًا في الصفحات المحلية، وتحت أخبار الماء والكهرباء والنقل والأسعار، وفي منشورات الشخصيات المؤثرة ووسائل الإعلام واسعة المتابعة. داخل هذه المساحات، لا يشعر المستخدم بأنه يبدأ الاعتراض وحده؛ يرى قبله عشرات التجارب المشابهة، فينخفض إحساسه بالعزلة.
وتبدأ العودة غالبًا من عبارة تبدو غير سياسية: «حتى عنا» أو «البارح صار نفس الشيء». لكن تراكم الشهادات يحول التجربة الفردية إلى مشكلة جماعية. ثم يظهر السؤال: لماذا يحدث ذلك في جهات مختلفة؟ من كان يفترض أن يستعد؟ أين ذهبت الاستثمارات؟ ومن يحاسب؟ وما إن يظهر سؤال المسؤولية حتى تدخل السياسة إلى النقاش، ولو لم يرفع أحد شعارًا حزبيًا.
ويلعب فيسبوك دورًا مركزيًا في هذه العملية. فوفق DataReportal، أتاحت أدوات Meta الإعلانية الوصول إلى نحو 7.8 ملايين حساب في تونس أواخر 2025، بما يعادل 74.9% من قاعدة مستخدمي الإنترنت. وهذه ليست أرقامًا للمستخدمين النشطين ولا مقياسًا للتفاعل السياسي، لكنها توضح حجم الساحة التي يرى فيها التونسيون ليس الخبر فقط، بل رد فعل الآخرين عليه.
هنا تظهر مفارقة أخرى: الأصوات المؤثرة أكثر عرضة للضغط، لكنها في الوقت نفسه تصنع المساحات التي يستعيد داخلها الجمهور جرأته. فالناس لا يعلقون على المعلومة وحدها؛ يعلقون لأنهم يرون أن آخرين سبقوهم، وأن الرأي الذي كانوا يرسلونه في الخاص أصبح له جمهور في العلن.
من التعليق إلى الطريق
كيف ينتقل الغضب من الخاص إلى العام؟
مسار تحليلي محتمل، وليس تسلسلاً حتميًا
قراءة ومراقبة
ورسائل خاصة
«حتى عنا»
كسر العزلة
المشكلة ليست
فردية أو محلية
من المسؤول؟
ومن يحاسب؟
لا تصبح كل موجة تعليقات انتفاضة. لكن التحول يبدأ عندما تعبر الشكوى ثلاث عتبات: أن يكتشف الفرد أن معاناته مشتركة؛ أن ينتقل النقاش من وصف المشكلة إلى تحديد المسؤولية؛ ثم أن يغادر الغضب الفضاء الرقمي إلى الوقفات والاحتجاج وقطع الطرق.
وقد ظهرت خلال موجة صيف 2026 بعض هذه العلامات. امتدت الاحتجاجات إلى مدن ومناطق مختلفة، وأصبح تردي الخدمات جزءًا من خطاب أوسع عن الغلاء والبطالة والسجون وطريقة إدارة البلاد. ومع ذلك، لا يكفي الاتساع المؤقت أو ارتفاع الشعارات لإعلان بداية انتفاضة وطنية جديدة.
الانتفاضة، بالمعنى السياسي والاجتماعي، تحتاج إلى استمرار بعد زوال السبب المباشر، واتساع جغرافي متواصل، وانضمام فئات اجتماعية مختلفة، وانتقال المطالب من المحلي إلى الوطني، وظهور قدرة على التنسيق. لذلك سيكون الاختبار الحقيقي بعد عودة الكهرباء والماء وانخفاض درجات الحرارة: هل يعود كل شخص إلى مشكلته المنفردة، أم يبقى الإحساس بأن أسباب الغضب واحدة؟
متى يتحول الغضب المتفرق إلى مسار احتجاجي أوسع؟
خمسة مؤشرات ينبغي ظهورها معًا أو بصورة متقارب]
الاتساع الجغرافي
انتقال التحركات بين جهات متعددة
الاستمرار الزمني
بقاء الاحتجاج بعد زوال السبب المباش]
توحيد المطالب
من شكاوى محلية إلى معنى وطني مشترك
التنوع الاجتماعي
انضمام شباب وعمال وموظفين وفئات أخرى
التنظيم والتنسيق
قدرة على التواصل والاستمرار وتحديد الأولوي
ربما لم تعد تونس إلى الانتفاضة بعد، لكنها قد تكون دخلت مرحلة تسبقها: مرحلة يكتشف فيها الغاضبون أنهم غاضبون من الأسباب نفسها.
هل تأتي الإيقافات بعد موجة الغضب؟
حتى 9 أوت 2026، لا تتوفر معطيات موثوقة تثبت انطلاق موجة إيقافات واسعة مرتبطة حصريًا باحتجاجات الماء والكهرباء. لكن السوابق تجعل الاحتمال قائمًا، خصوصًا إذا انتقل التحرك من المطالب الخدماتية إلى تسمية المسؤولين أو الدعوة إلى تعبئة سياسية أوسع.
إذا حدثت تتبعات، فالأرجح ألا تشمل كل من اشتكى أو علق. قد تتركز على منظمي التحركات، ومن نُسبت إليهم أفعال مثل قطع الطرق أو تعطيل المرافق، وعلى أصحاب الصفحات المؤثرة القادرين على نقل الغضب من حي أو مدينة إلى جمهور وطني. هنا قد تستخدم الإيقافات بوصفها رسائل ردع انتقائية بدل حملة جماعية مكلفة سياسيًا.
لكن هذه الاستجابة تحمل مخاطرة للسلطة نفسها. فإذا فُهم الإيقاف باعتباره عقابًا على المطالبة بالماء والكهرباء، يمكن أن تتحول أزمة خدمات إلى قضية حريات، وأن يصبح الموقوف رمزًا جديدًا للغضب. الردع قد يعيد بعض الناس إلى الصمت، لكنه قد يقنع آخرين بأن المشكلة لم تعد في الانقطاع وحده، بل في طريقة الحكم والتعامل مع المعترضين.
هل عاد الشعب للانتفاض؟
الجواب الصادق هو: ليس بعد، لكن السؤال لم يعد مبالغًا فيه. ما عاد أولًا هو الاستعداد للكلام في بعض المساحات، ثم القدرة على اكتشاف الغضب المشترك، ثم الاستعداد إلى الاحتجاج في عدد من الجهات. وهذه ليست انتفاضة مكتملة، لكنها ليست صمت السنوات السابقة أيضًا.
العودة ما تزال انتقائية وهشة. قد يشتكي المواطن من انقطاع الماء، ثم يتردد عندما يصل النقاش إلى تسمية مسؤول سياسي. وقد يخرج إلى الطريق بسبب خدمة منقطعة، ثم يعود إلى بيته عند حلها. لكن التغير الحقيقي يبدأ عندما يدرك أن الماء والكهرباء والنقل والأسعار والبطالة ليست أزمات منفصلة، بل نتائج لطريقة واحدة في ترتيب الأولويات وإدارة الموارد والمحاسبة.
لهذا لا ينبغي قياس ما يحدث بعدد التعليقات وحده، ولا بعدد الإطارات المحترقة في ليلة غضب. المعيار الأهم هو ما إذا كانت التجارب المتفرقة ستنتج معنى مشتركًا، وما إذا كان الناس سيحتفظون بعد انتهاء الأزمة المباشرة بإحساسهم بأن أصواتهم قادرة على كسر العزلة.
بعد اتساع التتبعات، ارتفعت كلفة التعبير في نظر جزء من الجمهور. ومع تردي الأوضاع، ارتفعت كلفة الصمت أيضًا. وبين الكلفتين بدأت حدود المشاركة تتغير. وربما يكون السؤال الذي ستجيب عنه الأشهر القادمة ليس فقط ما إذا عاد التونسيون إلى التعبير، بل ما إذا كان التعبير سيبقى تعليقًا تحت منشور، أم يتحول إلى قدرة جماعية مستمرة على الفعل.
فالحرية لا تعني دائمًا غياب الخوف؛ أحيانًا تعني أن يصبح سبب الكلام أقوى من سبب الصمت.
ملخصات وأفكار رئيسية
صمت مضلل لا يعني الرضا
التونسيون لم يفقدوا آراءهم في السنوات الأخيرة، بل تعمدوا إخفاءها في الفضاء العام لتجنب التتبعات. هذا "الأثر الردعي" دفع الآلاف إلى ممارسة الرقابة الذاتية قبل ضغط زر النشر، لكنه لم يلغِ الوعي بوجود المشاكل.
الخوف لا يتوزع بالتساوي
الملاحقات القضائية تركزت غالباً على الأصوات المؤثرة (صحفيين، نشطاء، سياسيين) لأنهم يمتلكون القدرة على تحويل التذمر الفردي إلى وعي جماعي، ولأن إسكاتهم يرسل رسالة رادعة لملايين المتابعين.
المعادلة تتغير: كلفة الصمت ترتفع
مع تفاقم الأزمات المعيشية مثل الغلاء وانقطاعات الماء والكهرباء (صيف 2026)، أصبح الغضب يتفوق على الخوف. المواطن الذي ابتعد عن السياسة كأيديولوجيا، عاد إليها مضطراً من باب المطالبة بحقوقه اليومية المهددة.
الشبكات كساحة لكسر العزلة
لم يعد فيسبوك مجرد منصة للأخبار، بل أصبح ساحة يكتشف فيها المواطن أن معاناته مشتركة. تعليقات بسيطة مثل "حتى عنا مقصوص" كونت تضامناً نفسياً شجع الكثيرين على استعادة الجرأة في التعبير العلني.
التحول من التعليق إلى الطريق
يبدأ التغيير الحقيقي عندما تنتقل الشكوى الفردية إلى مطالبة بتحديد المسؤولية، ثم تتحول من الغضب الرقمي إلى الاحتجاج الميداني. وقد أظهر صيف 2026 بوادر هذا التحول عبر احتجاجات شعبية في عدة مدن.
استراتيجية الردع والمخاطرة
استعمال الإيقافات كوسيلة لردع الاحتجاجات المعيشية يحمل مخاطرة للسلطة، إذ قد يحول أزمة خدمات (ماء وكهرباء) إلى قضية حريات، مما يخلق رموزاً جديدة للاحتجاج ويزيد من الاحتقان بدل القضاء عليه.
ليس انتفاضة بعد.. بل بداية استرداد للجرأة
لا يمكن اعتبار الاحتجاجات الحالية انتفاضة مكتملة، لكنها أثبتت أن الشعب لم يعد صامتاً. الاختبار الحقيقي هو استمرار هذا الوعي حتى بعد انتهاء الأزمة المباشرة وربط الأزمات المختلفة بطريقة الإدارة والمحاسبة.
الحرية ليست غياب الخوف
الدرس الأهم من تحركات الفترة الأخيرة هو أن الجرأة لا تعني اختفاء الخوف، بل تعني أن الأسباب التي تدفع المواطن للكلام والمطالبة بحقوقه أصبحت أقوى من الأسباب التي كانت تجبره على الصمت.
