مقدمة: الأزمة ليست مالية فقط
في تونس، يُختزل النقاش الاقتصادي غالبًا في الأرقام الصلبة: نسبة النمو، عجز الميزانية، حجم الدين، البطالة، التضخم، والاستثمار. لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تشرح وحدها سبب تعثر الاقتصاد التونسي المزمن، ولا تفسر لماذا تبدو الإصلاحات بطيئة، والثقة ضعيفة، والاستثمار حذرًا، والقدرة على التعافي محدودة. فالأزمة ليست مالية أو تقنية فقط؛ إنها أيضًا أزمة بيئة عامة، وأزمة جودة في تدفق المعلومة، وأزمة ثقة في قدرة المجتمع على تشخيص مشاكله علنًا. وقد قدّر البنك الدولي نمو الاقتصاد التونسي بـ 1.4% في 2024 بعد نمو شبه صفري في 2023، مع تأكيده استمرار العوائق التنظيمية والتمويلية أمام الاستثمار.
من هذا المنظور، لا تبدو حرية التعبير مسألة منفصلة عن الاقتصاد، كما لو أنها ترف سياسي أو شأن حقوقي معزول. على العكس، هي جزء من البنية التي تسمح للاقتصاد بأن يفهم نفسه، ويكشف اختلالاته، ويصحح أخطاءه قبل أن تتضخم. حين تضيق مساحة الكلام، لا يصمت المعارضون وحدهم، بل يضعف أيضًا تداول المعلومة، وتتراجع الشفافية، وتزداد كلفة الغموض، وتصبح السوق أقل قدرة على تقييم المخاطر كما هي. لذلك، فإن التضييق على حرية التعبير لا يضر بالمجال العام فقط، بل يرفع أيضًا الكلفة الاقتصادية للصمت.
الاقتصاد يحتاج إلى معلومة، لا إلى خطاب مطمئن
لا يعمل الاقتصاد الحديث على رؤوس الأموال وحدها، بل على جودة المعلومة المتاحة للفاعلين داخله. المستثمر يحتاج إلى معلومة دقيقة، ورجل الأعمال يحتاج إلى بيئة قابلة للفهم، والباحث يحتاج إلى بيانات قابلة للتحليل، والمواطن يحتاج إلى إعلام يفسر له ما يحدث، والدولة نفسها تحتاج إلى فضاء يسمح بظهور النقد والتنبيه المبكر إلى الخلل. عندما تتقلص حرية التعبير، لا تختفي المعلومة بالكامل، لكنها تصبح أضعف، وأبطأ، وأقل قابلية للتداول والنقاش.
هذا التراجع لا يبقى نظريًا. فمؤشر “الصوت والمساءلة” ضمن مؤشرات الحوكمة العالمية للبنك الدولي، والذي يقيس جوانب مثل حرية التعبير، وحرية الإعلام، والمشاركة العامة، وضع تونس عند حوالي 41 من 100 في 2023. هذا الرقم لا يعني فقط تراجعًا ديمقراطيًا؛ بل يعني اقتصاديًا أن البيئة التي تُنتَج فيها المعرفة حول السياسات والاختلالات أصبحت أقل انفتاحًا، وأقل قدرة على تصحيح نفسها بالنقاش العلني.
حين تضعف هذه البيئة، تصبح القرارات الاقتصادية أكثر اعتمادًا على معلومات ناقصة أو متأخرة. ويعني ذلك أن السياسة العمومية قد تُبنى على تشخيص غير مكتمل، وأن المستثمر قد يقرأ السوق من خلال معطيات غير كافية، وأن المجتمع يفقد إحدى أدواته الأساسية للإنذار المبكر. هنا لا يعود الصمت موقفًا سياسيًا فحسب، بل يتحول إلى متغير اقتصادي مؤثر.
من شفافية الميزانية إلى ضبابية القرار
إذا كانت حرية التعبير شرطًا عامًا لتداول المعلومة، فإن شفافية المالية العمومية تمثل أحد أكثر تجلياتها العملية حساسية. فحين لا تُنشر البيانات العمومية بشكل كافٍ، أو تُنشر متأخرة، أو تصبح أقل قابلية للتتبع، لا يتضرر فقط حق المواطنين في المعرفة، بل تتضرر أيضًا جودة النقاش الاقتصادي نفسه.
وهذا ما يظهر بوضوح في تراجع تونس في مؤشر الميزانية المفتوحة من 42/100 في 2021 إلى 16/100 في 2023. هذا الهبوط الحاد لا يعبّر فقط عن مشكلة تقنية في نشر الوثائق، بل عن تراجع حقيقي في قدرة المجتمع والباحثين والإعلام والفاعلين الاقتصاديين على فهم كيفية إدارة المال العام، وما الذي يُموَّل، وكيف تُرتَّب الأولويات، وأين تتجه النفقات.
اقتصاديًا، هذا الوضع يرفع كلفة عدم اليقين. فالمستثمر الذي لا يملك رؤية واضحة للسياسات العمومية يصبح أكثر ترددًا. والباحث الذي لا يجد معطيات كافية يصبح أقل قدرة على التشخيص. والمواطن الذي لا يعرف كيف تُدار موارده يفقد الثقة في الدولة. وحين تتراجع الشفافية، لا تبقى الميزانية وثيقة مالية فقط؛ بل تصبح مرآة لمدى انغلاق القرار الاقتصادي نفسه.
الاستثمار لا يهرب من الأزمات فقط، بل من الغموض أيضًا
كثيرًا ما يُقال إن الاستثمار يحتاج إلى استقرار سياسي، وحوافز ضريبية، وقوانين واضحة. وهذا صحيح، لكنه غير كافٍ. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الامتيازات، بل عن القدرة على قراءة السوق كما هي، وفهم المخاطر، والوصول إلى معلومات مستقلة، وتقدير ما إذا كانت القواعد قابلة للتوقع. وحين يضعف الإعلام، وتقل الشفافية، ويصبح النقاش العمومي أكثر حذرًا، لا تختفي هذه المخاطر، بل تصبح أقل ظهورًا وأكثر صعوبة في التقييم.
صحيح أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تونس بلغت نحو 936 مليون دولار في 2024، بزيادة تقارب 21% عن 2023، لكن هذه الزيادة لا تعني بالضرورة تحسنًا بنيويًا في المناخ الاقتصادي. فالبنك الدولي وغيره من المؤسسات الدولية ما زالوا يشيرون إلى أن النمو ضعيف، وأن مناخ الاستثمار يواجه عوائق تنظيمية وتمويلية واضحة. وهنا ينبغي التمييز بين تحسن رقمي ظرفي وبين مناخ ثقة طويل الأمد.
المشكلة أن الغموض المؤسسي والإعلامي يرفع ما يمكن تسميته بـ “المخاطر غير المرئية”. وهذه من أخطر أنواع المخاطر، لأنها لا تظهر دائمًا في الأرقام المباشرة، لكنها تؤثر في القرار الاستثماري بعمق. فالسوق التي لا تُقال فيها الحقيقة كاملة تصبح أكثر تكلفة من حيث التقدير والتمويل والتخطيط، حتى لو قدمت حوافز ظاهرة على الورق.
اقتصاد بلا رقابة: ماذا يحدث حين تضعف الصحافة؟
غالبًا ما يُنظر إلى حرية الصحافة في تونس من زاوية الحريات العامة فقط. لكن دور الصحافة يتجاوز ذلك بكثير. فالصحافة الاستقصائية، والمتابعة المستقلة للقرارات العمومية، وكشف الصفقات المشبوهة، وتتبع اختلالات الإدارة، كلها عناصر تحمي الاقتصاد أيضًا، لا الديمقراطية فحسب. وعندما تضعف الصحافة، لا يخسر المجال العام فقط، بل تخسر السوق كذلك قدرة ثمينة على اكتشاف الخلل مبكرًا.
في هذا السياق، جاء تراجع تونس إلى المرتبة 129 من أصل 180 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025، بعد خسارة 11 مرتبة في سنة واحدة، ليعكس تدهورًا لا يمكن عزله عن أثره الاقتصادي. وقد ربطت مراسلون بلا حدود هذا التراجع بعوامل سياسية واقتصادية وإدارية تضغط على القطاع الإعلامي نفسه.
اقتصاديًا، يعني ذلك أن مساحات الرصد والكشف والتفسير أصبحت أضعف. وكلما ضعفت هذه المساحات، أصبحت السوق أقل ذكاءً في التعامل مع أخطائها، والدولة أقل تعرضًا للنقد المفيد، والمستثمر أقل قدرة على فهم المخاطر الكامنة. بهذا المعنى، ليست الصحافة مجرد ناقل للأخبار، بل جزء من البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد.
الفساد في زمن الصمت: حين ترتفع الكلفة وتنخفض المساءلة.
في اقتصاد تتراجع فيه حرية التعبير، لا يصبح الفساد مجرد انحراف إداري معزول، بل يميل إلى التحول إلى عبء هيكلي. السبب ليس أن غياب التعبير يخلق الفساد وحده، بل لأنه يضعف أهم آليات مقاومته: التحقيق، والتبليغ، والفضح، والضغط العمومي. وحين تصبح هذه الآليات أضعف، ترتفع كلفة كشف الفساد وتنخفض كلفة ممارسته.
الأرقام هنا لافتة. فقد سجلت تونس 39/100 في مؤشر مدركات الفساد، واحتلت المرتبة 91 من أصل 182، فيما أظهرت بيانات مرتبطة بالبلاد أن 67% من المستجوبين يرون أن الفساد ازداد. هذه المؤشرات لا تعني فقط مشكلة أخلاقية أو إدارية، بل تعني أيضًا اقتصادًا تُوجَّه فيه الموارد بشكل أقل كفاءة، وتتراجع فيه عدالة المنافسة، وتضعف فيه ثقة الفاعلين في قواعد اللعبة نفسها.
وحين تضعف مساءلة الفساد، تصبح الكلفة الاقتصادية مضاعفة: مشاريع أقل نجاعة، إنفاق عام أقل فعالية، منافسة غير عادلة، وثقة منهكة. بذلك، لا يعود الفساد ملفًا مستقلًا عن حرية التعبير، بل يصبح إحدى نتائج إضعافها.
بيروقراطية الخوف: من ثقافة القرار إلى ثقافة تجنب المخاطر.
لا يظهر أثر تضييق حرية التعبير في الإعلام والمجتمع فقط، بل يتسرب أيضًا إلى الإدارة نفسها. ففي بيئة يسودها الحذر، يتعلم الموظف العمومي كيف يتجنب المخاطرة، وكيف يؤخر القرار بدل تحمله، وكيف يفضّل السلامة الإجرائية على الفعالية. هذه الثقافة لا تحتاج إلى أوامر مكتوبة؛ يكفي أن يسود مناخ عام يشعر فيه الفاعلون أن الخطأ مكلف، والنقد حساس، والوضوح غير مريح.
والنتيجة الاقتصادية مباشرة: بطء إداري، تعطيل للمشاريع، ارتفاع كلفة المعاملات، تردد في اتخاذ القرارات، وميل إلى تجميد الملفات بدل الحسم فيها. في هذه الحالة، لا يعود التعطيل الإداري نتيجة ضعف كفاءة فقط، بل نتيجة مناخ مؤسساتي يكافئ الحذر أكثر مما يشجع الفعل.
وهذا من أخطر ما ينتجه تضييق الفضاء العام: أنه لا يكتفي بإسكات الأصوات، بل يعيد تشكيل سلوك الدولة نفسها، ويحوّل الإدارة من أداة تنفيذ إلى بنية تتجنب القرار.
الابتكار يحتاج إلى جرأة، لا إلى صمت
تحاول تونس منذ سنوات تقديم نفسها كبيئة للشركات الناشئة، والاقتصاد الرقمي، والابتكار الشبابي. لكن الابتكار ليس تمويلًا وتقنيات فقط؛ إنه أيضًا ثقافة. يحتاج إلى فضاء يسمح بالاعتراض، والتجريب، والمخاطرة الفكرية، ومناقشة الفرضيات، ونقد النماذج القائمة. كل هذا يصبح أصعب حين يضيق الفضاء التعبيري.
تونس جاءت في المرتبة 76 عالميًا في مؤشر الابتكار العالمي 2025، لكنها لم تتجاوز المرتبة 96 في مدخلات الابتكار. هذا الفرق يعني أن هناك قدرات ومخرجات قائمة، لكن البيئة المؤسسية والتنظيمية والمعرفية التي تغذي الابتكار ما تزال ضعيفة.
حين تصبح الكفاءات موجودة لكن البيئة خانقة، يتحول الابتكار إلى جهد فردي معزول لا إلى ديناميكية اقتصادية واسعة. وتلك إحدى كلف الصمت أيضًا: أنه لا يقتل الأفكار فقط، بل يضعف الشروط التي تسمح لها بأن تصبح قوة إنتاج حقيقية.
الهجرة ليست بحثًا عن الدخل فقط، بل عن فضاء أوضح
يُختزل نزيف الكفاءات في تونس كثيرًا في مسألة الأجور. لكن الهجرة ليست قرارًا ماليًا فقط. إنها أيضًا قرار مرتبط بالأفق، وبنوعية البيئة المهنية والمؤسساتية، وبالإحساس بإمكان التأثير والتعبير. حين يشعر الطبيب أو المهندس أو الباحث أو رائد الأعمال أن السوق ضعيفة، والإدارة بطيئة، والنقاش العام هش، والحقيقة نفسها مكلفة، فإن قرار المغادرة يصبح أوسع من مجرد بحث عن راتب أعلى.
تونس ما تزال تسجل بطالة مرتفعة؛ إذ بلغت البطالة الإجمالية 16.2% في 2024 وفق بيانات حديثة، بينما بقيت بطالة الشباب قريبة من 40%. في هذا السياق، لا يكون تضييق الفضاء التعبيري مجرد عامل جانبي، بل عنصرًا إضافيًا في تعميق الشعور بانسداد الأفق.
والخسارة هنا ليست فقط بشرية، بل اقتصادية صافية: خسارة في المهارات، وفي الابتكار، وفي الإنتاجية، وفي القدرة على إعادة إنتاج الثقة من الداخل. الاقتصاد الذي لا يحتفظ بكفاءاته لا يخسر أشخاصًا فقط؛ بل يخسر مستقبله.
الحرية الاقتصادية: حين لا يكفي أن تفتح مشروعًا… بل يجب أن تفهم قواعد اللعبة
لا تنفصل حرية التعبير عن الحرية الاقتصادية. فالمستثمر أو صاحب المشروع لا يحتاج فقط إلى حق قانوني في النشاط، بل يحتاج إلى بيئة يمكنه فيها فهم القواعد، نقد السياسات، الوصول إلى المعلومة، والطعن في القرارات المجحفة دون خوف أو غموض. لذلك، حين يتراجع الفضاء العام، لا يتضرر الكلام وحده، بل تتضرر معه حرية المبادرة الاقتصادية نفسها.
في تونس، يظهر هذا الضعف بوضوح في المؤشرات الدولية. فقد منحت Heritage Foundation تونس درجة 49.1/100 في مؤشر الحرية الاقتصادية لسنة 2025، لتصنّفها في خانة الاقتصادات “المكبوتة”، مع ترتيبها 149 عالميًا و11 من أصل 14 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي نسخة 2026، تراجع المؤشر إلى 48.1/100، مع ترتيب 156 عالميًا. هذه الأرقام لا تعني فقط ضعف السوق، بل تعني أن بيئة العمل الاقتصادي نفسها مثقلة بقيود قانونية وإدارية ومؤسساتية تجعل المبادرة أكثر كلفة وأقل أمانًا.
المؤشر نفسه يقيس عناصر مثل سيادة القانون، حماية الملكية، فعالية القضاء، العبء الضريبي، حرية الأعمال، حرية الاستثمار، وحرية التجارة. وكل هذه العناصر تتأثر مباشرة بجودة الفضاء العام. فعندما لا يستطيع الفاعلون الاقتصاديون التعبير عن مشاكلهم بحرية، أو نقد الإدارة، أو فضح التعطيل، أو الاعتراض على القوانين غير العادلة، تصبح الحرية الاقتصادية شكلية: موجودة في النصوص، لكنها محدودة في الواقع اليومي.
هذا ما يفسر لماذا لا يكفي الحديث عن “تحسين مناخ الأعمال” إذا كان الفضاء العام نفسه يضيق. فحرية السوق لا تُبنى فقط بإجراءات إدارية أو قوانين استثمار، بل تحتاج إلى مناخ ثقة ومساءلة وشفافية. وفي غياب ذلك، يتحول الاقتصاد إلى فضاء حذر: المستثمر يتردد، صاحب المشروع يصمت، الموظف يتجنب القرار، والفاعل الاقتصادي يتعلم أن النجاة أهم من المبادرة. من هذه الزاوية، تصبح الحرية الاقتصادية في تونس ليست مجرد مؤشر تقني، بل مرآة لعلاقة أعمق بين الدولة والسوق. كلما توسع التحكم في الكلام وتراجع وضوح القواعد، تراجعت قدرة الاقتصاد على خلق الثروة. وكلما ضعفت حرية المبادرة والمنافسة والنقد، أصبح النشاط الاقتصادي أقرب إلى إدارة المخاطر منه إلى إنتاج القيمة.
اقتصاد خارج الدولة: حين ينسحب الفاعلون من نظام فقد وضوحه.
أحد أبرز تعبيرات فقدان الثقة في المنظومة الرسمية هو توسع الاقتصاد غير الرسمي. ففي تونس، تختلف التقديرات، لكن بعضها يضع حجمه بين 40% و60% من الاقتصاد، فيما تشير تقديرات أخرى إلى مستويات مرتفعة جدًا أيضًا. هذا الاتساع لا يفسَّر بالفقر أو الجباية أو البيروقراطية وحدها، بل أيضًا بإحساس عميق بأن النظام الرسمي غير واضح بما يكفي، وغير عادل بما يكفي، وغير قابل للفهم أو الطعن بما يكفي.
وحين تضيق مساحة النقاش وكشف الاختلالات، يتعزز هذا الشعور. يصبح الانسحاب من المنظومة أقل كلفة من الاشتغال داخلها، ويصبح الاقتصاد الموازي ليس فقط تهربًا، بل رد فعل على بنية فقدت وضوحها ومصداقيتها. وهنا أيضًا، يظهر أثر حرية التعبير بشكل غير مباشر لكنه بالغ العمق: حين يضعف النقاش العلني، تضعف الثقة، وحين تضعف الثقة، يخرج الفاعلون من النظام.
خاتمة: كلفة الصمت أعلى مما تبدو
المشكل في تونس ليس فقط أن الاقتصاد ضعيف، بل أنه يعمل في بيئة أصبحت فيها الحقيقة نفسها أكثر كلفة. حين تتراجع الشفافية، وتضعف الصحافة، وتضيق مساحة النقد، ويصبح كشف الخلل أصعب، فإن السوق لا تتضرر بصورة رمزية فقط؛ بل تصبح أقل قدرة على الفهم، وأضعف في التصحيح، وأكثر هشاشة أمام الفساد، وأشد بطئًا في القرار، وأقل جاذبية للاستثمار، وأفقر في الابتكار، وأكثر طردًا للكفاءات.
لهذا، فإن حرية التعبير ليست ترفًا ديمقراطيًا منفصلًا عن التنمية، بل شرط اقتصادي أساسي. في بلد يسجل 1.4% نموًا، و16/100 في شفافية الميزانية، و129/180 في حرية الصحافة، و39/100 في الفساد، لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن تقلص الفضاء العام. هذه ليست ملفات متوازية، بل حلقات في البنية نفسها. وحين يصبح الكلام مكلفًا، يصبح الإصلاح أغلى، ويصبح النمو أبطأ، وتصبح الأزمة أكثر عمقًا.
الاقتصاد الذي لا يستطيع أن يقول الحقيقة عن نفسه، لا يستطيع أن يصلح نفسه.
ملخصات وأفكار رئيسية
نمو ضعيف في بيئة صامتة: حين يعجز الاقتصاد عن تفسير نفسه
في اقتصاد لا ينمو إلا بنسبة ضعيفة، يصبح فهم أسباب التعثر شرطًا لأي إصلاح. لكن حين تتراجع قدرة الفاعلين على النقد والتشخيص، يصبح الاقتصاد أقل قدرة على تفسير نفسه. لا تختفي الأزمات، لكنها تصبح أقل وضوحًا، وأكثر تعقيدًا عند معالجتها. وهنا يتحول ضعف النمو من نتيجة اقتصادية إلى عرض لخلل أعمق في بيئة إنتاج القرار.
ندرة الحقيقة: كيف يضعف تراجع “الصوت والمساءلة” جودة القرار الاقتصادي
تشير مؤشرات الحوكمة إلى أن تونس سجلت حوالي 41/100 في مؤشر “الصوت والمساءلة”. هذا التراجع لا يعكس فقط وضعًا سياسيًا، بل يعني أن قدرة المجتمع على إنتاج معرفة دقيقة حول السياسات والاختلالات أصبحت أضعف. في هذه البيئة، لا تُبنى القرارات على معطيات كاملة، بل على صور جزئية، ما يرفع من احتمال الخطأ ويضعف فعالية السياسات.
ميزانية بلا وضوح: من 42 إلى 16… حين تصبح الأرقام نفسها ناقصة
هبوط تونس في مؤشر الميزانية المفتوحة من 42/100 في 2021 إلى 16/100 في 2023 يعكس تقلصًا حادًا في شفافية المالية العمومية. هذا لا يهم الخبراء فقط، بل يؤثر على كل الفاعلين الاقتصاديين الذين يعتمدون على هذه البيانات لفهم توجهات الدولة. حين تصبح الأرقام ناقصة، يصبح النقاش حولها ناقصًا أيضًا، وتصبح السياسات أقل خضوعًا للمساءلة.
اقتصاد بلا رقابة: ماذا يحدث حين تضعف الصحافة؟
تراجع تونس إلى المرتبة 129 عالميًا في حرية الصحافة لا يعني فقط تضييقًا إعلاميًا، بل يعني أيضًا إضعاف آلية أساسية من آليات السوق. الصحافة تكشف الاختلالات وتُنبه إلى المخاطر. حين تضعف، يصبح الاقتصاد أقل قدرة على اكتشاف مشاكله مبكرًا، وأكثر عرضة لتراكمها.
الفساد في زمن الصمت: حين ترتفع الكلفة وتنخفض المساءلة
مع تسجيل 39/100 في مؤشر الفساد واعتقاد 67% من التونسيين أن الفساد في ارتفاع، يصبح واضحًا أن ضعف التعبير ينعكس مباشرة على المساءلة. في بيئة صامتة، يصبح كشف الفساد أصعب، وتصبح كلفته الاقتصادية أعلى، من خلال سوء توزيع الموارد وضعف نجاعة المشاريع.
بيروقراطية الخوف: من ثقافة القرار إلى ثقافة تجنب المخاطر
في الإدارة، لا يظهر التضييق في شكل أوامر، بل في شكل سلوك: الحذر، التردد، وتجنب المسؤولية. هذا التحول يبطئ القرار، يعطل المشاريع، ويرفع كلفة التعامل مع الدولة. وهكذا، تتحول الإدارة من أداة تنفيذ إلى مصدر تعطيل.
ابتكار بلا جرأة: لماذا لا تكفي الكفاءات في بيئة محدودة التعبير؟
رغم احتلال تونس المرتبة 76 عالميًا في الابتكار، فإنها في المرتبة 96 في مدخلاته، ما يعكس ضعف البيئة الداعمة. الابتكار يحتاج حرية، ونقاشًا، وجرأة. في بيئة يُحسب فيها الكلام، تتراجع هذه العناصر، ويصبح الابتكار محدود التأثير.
الهجرة كتصويت صامت: عندما تغادر الكفاءات بحثًا عن فضاء حر
مع بطالة تبلغ 16.2% وبطالة الشباب تقارب 40%، لا يفسر العامل الاقتصادي وحده موجة الهجرة. البيئة العامة، بما فيها حرية التعبير، تلعب دورًا مهمًا. حين يصبح الفضاء العام ضيقًا، يصبح الخروج خيارًا، وتخسر البلاد كفاءاتها وقدرتها على التجدد.
اقتصاد خارج الدولة: حين ينسحب الفاعلون من نظام فقد وضوحه
يمثل الاقتصاد الموازي بين 35% و60% من النشاط، وهو مؤشر على أزمة ثقة عميقة. حين لا تكون القواعد واضحة أو قابلة للنقاش، يختار الفاعلون الانسحاب. النتيجة: اقتصاد أقل تنظيمًا، وأقل عدالة، وأضعف قدرة على النمو.
حلقة مفرغة: كيف يغذي تضييق التعبير هشاشة الاقتصاد… والعكس
تضييق التعبير لا يؤدي فقط إلى ضعف الشفافية، بل إلى تراجع الثقة، وارتفاع المخاطر، وضعف الاستثمار. هذا الضعف الاقتصادي بدوره يزيد من هشاشة المجال العام. وهكذا تدخل تونس في حلقة مفرغة يصعب كسرها دون معالجة جذورها.
حين تصبح الحقيقة مكلفة… يصبح النمو نفسه أكثر كلفة
في النهاية، لا تكمن المشكلة فقط في نقص الموارد، بل في بيئة تصبح فيها الحقيقة نفسها مكلفة. في مثل هذه البيئة، يفقد الاقتصاد قدرته على الفهم، وعلى التصحيح، وعلى النمو. لأن الاقتصاد، في جوهره، يحتاج إلى شيء بسيط: أن تُقال الحقيقة… في الوقت المناسب.
