تفتـــرض هـــذه الدراســـة أن المجتمـــع المدنـــي في تونـــس ال يعيش
حالـــة اختفاء أو شـــلل شـــامل، بـــل حالة يمكـــن وصفها باالســـتمرار
المقيـــد. فالجمعيـــات مـــا زالـــت حاضـــرة في الميـــدان، لكنهـــا تعمل
داخـــل بيئة تفـــرض عليها قدًًرا متزايـــ ًًدا من الحـــذر، وتدفعها في كثير
مـــن األحيان إلـــى مراجعة خطابها، وتعديل أنشـــطتها، وإعادة ترتيب
عالقتها بالتمويل و الشـــركاء والمســـتفيدين.
قبـــل 25 جويليـــة ،2021 كان جزء كبير من الفاعليـــن الجمعياتيين يرى
أن منـــاخ العمـــل المدني مفتوح أو عادي، رغـــم وجود صعوبات إدارية
وتمويليـــة معروفـــة. أما اليوم، فتشـــير المعطيات إلـــى تحول واضح
فـــي إدراك هـــذا المنـــاخ، حيـــث أصبح ُُينظـــر إليـــه باعتباره أكثـــر تقيي ًًدا
وتوج ًًســـا. وال يقتصـــر هذا التحول على عالقـــة الجمعيات باإلدارة، بل
يمتـــد إلـــى صـــورة المجتمـــع المدني في المجـــال العام، وإلـــى طريقة
تعامل الشـــركاء والمســـتفيدين مع الجمعيات.
تتمثـــل األطروحـــة المركزية للدراســـة في أن الضغـــط على المجتمع
المدنـــي ال يظهـــر دائ ًًمـــا في شـــكل قـــرار منع مباشـــر أو حـــل قانوني
صريـــح. في حاالت كثيـــرة، يعمل الضغط بطريقة أقـــل وضو ًًحا: عبر
التشـــهير، واالشـــتباه، وتعطيـــل التمويـــل، وتردد الشـــركاء، والخوف
مـــن التأويـــل السياســـي لألنشـــطة. هـــذه العناصر مجتمعـــة تجعل
الجمعيـــة تعيـــد التفكير في لغتهـــا، ودرجة ظهورهـــا، والملفات التي
تشـــتغل عليهـــا، وطريقة تواصلها مـــع محيطها.
لذلـــك، ال ينبغـــي قيـــاس وضـــع المجتمع المدنـــي بعـــدد الجمعيات
المســـجلة أو بعـــدد األنشـــطة المنجـــزة فقـــط. المؤشـــر األهـــم هو
قـــدرة هـــذه الجمعيـــات علـــى العمـــل بحريـــة نســـبية، والتعبيـــر عـــن
مواقفهـــا بوضـــوح، ومســـاءلة السياســـات العامـــة، والوصـــول إلى
المســـتفيدين دون خـــوف أو تشـــكيك أو تعطيـــل دائـــم.

