من يقطع الماء والكهرباء عن تونس؟
هل تصبح نظرية المؤامرة بديلًا عن المساءلة؟
محاور المقال
من يقطع الماء؟ من يطفئ الكهرباء؟ ومن يعطّل وصول المواد الأساسية إلى الأسواق؟ في تونس، لم تعد هذه أسئلة تقنية فقط. كلما تعطلت خدمة أو اختفت مادة، يظهر سريعًا سؤال آخر: من يقف وراء ذلك؟
في 27 أوت 2026، قال رئيس الجمهورية قيس سعيّد إن الأبحاث أثبتت أن عددًا من انقطاعات الماء والكهرباء لم يكن نتيجة أعطاب عادية، بل «أعمالًا مدبّرة» هدفها الإرباك وتأجيج الأوضاع والتنكيل بالمواطنين.
الادعاء يحتاج إلى دليل
حين تقول السلطة إن «الأبحاث أثبتت» أن الانقطاعات مدبرة، فهي لا تقدم مجرد توصيف سياسي، بل تدعي واقعة يفترض أن تكون قابلة للإثبات. وإلى أن تُعرض معطيات تسمح للرأي العام بالتحقق من هذا الاستنتاج، يبقى «التخريب» ادعاءً رسميًا لا حقيقة صحفية مثبتة.
ولا يعني ذلك مطالبة أجهزة التحقيق بنشر ما قد يضر بسير القضايا، بل تقديم الحد الأدنى الممكن من المعلومات: ما الحالات المعنية؟ هل توجد معاينات فنية أو تتبعات أو إحالات؟ وما الذي يمكن قوله للرأي العام دون الإضرار بالتحقيق؟ فالمساءلة تبدأ من السلطة نفسها: من يدعي وجود المؤامرة عليه أن يقدم الدليل، ومن يدير المرفق عليه أن يفسر الفشل.
إذا كانت السلطة تؤكد أن «الأبحاث أثبتت» وجود أعمال مدبرة، فإن هذه الخلاصة تظل، بالنسبة إلى الرأي العام، ادعاءً رسميًا ما لم تُدعَم بمعطيات يمكن التحقق منها. عبء الإثبات يقع هنا على من يطلق الادعاء، لا على المواطن الذي يطلب الدليل.
المساءلة تبدأ إذن قبل البحث عن «المتآمر» نفسه: ما الانقطاعات التي ثبت أنها مدبرة؟ ما طبيعة الأفعال المنسوبة إلى مرتكبيها؟ ما الأدلة التي تسمح التحقيقات بنشرها؟ هل توجد إحالات قضائية أو نتائج معلنة؟ وما الذي اتخذته الدولة لمنع تكرار ما تقول إنه حدث؟
من قطع الماء... ومن كان مسؤولًا عن استمراره؟
هناك فرق أساسي بين سؤالين: من قطع الماء؟ ومن كان مسؤولًا عن ضمان ألا ينقطع؟
الأول يبحث في واقعة محددة: هل وقع فعل متعمد أصلًا؟ ومن قام به؟ وهذا سؤال لا يُحسم بالخطاب السياسي، بل بالتحقيق والأدلة. أما السؤال الثاني فيقودنا إلى الشبكات والصيانة والاستثمار والتخطيط وإدارة الموارد، وهي مسائل قائمة وموثقة بصرف النظر عن صحة فرضية التخريب.
تطور نسبة الخسائر وضياع المياه في شبكة التوزيع (الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه)
تفاعليتونس تعاني أصلًا من ندرة مائية هيكلية. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الموارد المائية المتاحة كانت في حدود 357 مترًا مكعبًا للفرد سنويًا سنة 2020، مع توقع انخفاضها إلى نحو 268 مترًا مكعبًا بحلول 2050.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت خسائر المياه لدى الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، وفق البنك الدولي، من حوالي 25 في المائة سنة 2010 إلى نحو 34 في المائة سنة 2021.
انخفاض الموارد المائية المتاحة للفرد سنويًا (متر مكعب)
تفاعليأي أن تونس تواجه ندرة متزايدة، بينما تفقد جزءًا مهمًا من المياه داخل منظومة التوزيع نفسها. والدولة تعرف المشكلة. ففي جوان 2026، ناقشت الحكومة تجديد البنية التحتية المتدهورة، وتحسين مردودية شبكات النقل والتوزيع، وكشف التسربات، وتطوير موارد مائية جديدة.
إذن، حتى لو أثبت تحقيق معلن وموثق أن شخصًا تسبب عمدًا في انقطاع معين، فإن ذلك يفسر حادثة بعينها ولا يفسر وحده الأزمة الهيكلية ولا يعفي من مساءلة إدارة المرفق عن أسباب تكرار الانقطاعات.
ومن يطفئ الكهرباء؟
المنطق نفسه ينطبق على الكهرباء. قبل يومين من حديث رئيس الجمهورية عن أعمال مدبرة، أعلنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إمكانية اللجوء إلى قطع دوري في عدد من المناطق، وربطت ذلك بوضعية الشبكة والحاجة إلى تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
عجز الإنتاج الكهربائي المعلن عنه خلال ساعات الذروة (ميغاواط)
تفاعليوفي الفترة نفسها، تحدث مسؤول نقابي في قطاع الكهرباء والغاز عن عجز في الإنتاج خلال ساعات الذروة يناهز ألفي ميغاواط. وهو رقم نقابي وليس رقمًا حكوميًا رسميًا، لكنه يعكس وجود نقاش تقني حقيقي حول قدرات المنظومة.
لا تسمح المعطيات المنشورة التي يستند إليها هذا المقال باعتبار بعض الانقطاعات «متعمدة» كحقيقة ثابتة. المتاح هو ادعاء رسمي بوجود أعمال مدبرة، في مقابل تفسير تقني معلن من الشركة التونسية للكهرباء والغاز لبعض القطوع يتعلق بوضعية الشبكة والتوازن بين الإنتاج والاستهلاك. لذلك يبقى السؤال: ما وضع الإنتاج؟ ما حاجيات الاستثمار؟ ما حالة الشبكة؟ وما الذي كان يجب إنجازه قبل الوصول إلى هذه المرحلة؟
ومن يعطّل الأسواق؟
عندما تختفي مادة أساسية، نسمع سريعًا عن الاحتكار والمضاربة. وقد توجد مخالفات من هذا النوع، لكن وجودها في كل حالة يحتاج بدوره إلى إثبات ورقابة وقضاء، ولا يجوز تحويلها تلقائيًا إلى تفسير شامل لاضطراب السوق.
لكن إيقاف المحتكر لا يجب أن يمنعنا من سؤال أبسط: كيف استطاع عدد محدود من الأشخاص التأثير في تزويد السوق أصلًا؟ أين كانت الرقابة؟ هل توجد مشاكل في الإنتاج أو التوريد أو التوزيع؟ وهل توجد اختلالات تجعل تخزين السلعة أكثر ربحية من بيعها؟
إذا أوقفنا المحتكر اليوم دون إصلاح الظروف التي سمحت له بالاحتكار، فما الذي يمنع ظهور محتكر آخر غدًا؟ مرة أخرى، هناك فرق بين محاسبة من ارتكب الفعل ومساءلة من يدير المنظومة.
المتهم ليس المسؤول دائمًا
وهنا نصل إلى قلب المشكلة. نظرية المؤامرة تبحث أساسًا عن متهم. أما المساءلة فتبحث عن مسؤول.
المتهم هو من قطع أو خرّب أو احتكر. أما المسؤول فهو من كانت لديه صلاحية وموارد وواجب لمنع المشكلة أو الاستعداد لها أو الحد من آثارها.
إذا ثبت أن شخصًا قطع الماء أو عطّل الكهرباء، فإن ذلك لا يخبرنا وحده بمن كان مسؤولًا عن حالة الشبكة أو التخطيط والاستثمار والإنتاج. وإذا ثبت احتكار سلعة، فإن ذلك لا يعفينا من مساءلة أجهزة الرقابة ومنظومة التزويد.
وهذا لا يعني تحميل الحكومة الحالية مسؤولية مشكلات تراكمت على مدى عقود. المساءلة ليست البحث عن كبش فداء جديد. بل تعني أن نسأل بوضوح: ماذا ورثت السلطة؟ ماذا كانت تعرف؟ ماذا قررت؟ ماذا أنجزت؟ وما الذي كان في استطاعتها إصلاحه ولم تصلحه؟ هذه الأسئلة هي جوهر العمل السياسي.
عندما تصبح المؤامرة بديلًا عن المساءلة
المشكلة ليست في أن تحقق الدولة في احتمال وجود تخريب متى توفرت شبهات جدية؛ فهذا من واجبها. المشكلة تبدأ عندما يتحول احتمال يحتاج إلى الإثبات إلى تفسير سياسي جاهز للأزمة، ثم يُستعمل لإغلاق الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية والإدارة والاستثمار.
لأنها عندها تغير السؤال. بدل: لماذا فشلت السياسة؟ يصبح السؤال: من أفشلها؟ وبدل: من يتحمل مسؤولية النتيجة؟ يصبح: من يتآمر على الدولة؟
وهكذا ينتقل مركز المسؤولية تدريجيًا من داخل المؤسسة إلى خارجها. بل قد يتحول المسؤول نفسه من شخص يفترض أن يفسر النتائج إلى ضحية لقوى منعته من النجاح. وهنا تكمن خطورة نظرية المؤامرة سياسيًا: ليس المطلوب نفيها مسبقًا ولا تصديقها مسبقًا، بل إخضاعها لمعيار الدليل. وحين تُقدَّم بلا معطيات قابلة للتحقق ثم تحل محل مساءلة من يملك القرار، تصبح بديلًا مريحًا عن السياسة العمومية والمحاسبة.
تونس تتآمر على نفسها
الدول تخطئ، والحكومات تفشل أحيانًا، والمؤسسات تتعرض لأزمات. هذا طبيعي. ما يحدد قدرة الدولة على الاستمرار ليس غياب الأخطاء، بل قدرتها على اكتشافها وتصحيحها. وهنا تأتي المساءلة: نعرف ماذا حدث، نحدد المسؤوليات، نقيم القرارات، نصلح الخلل، ثم نحاول منع تكراره.
أما إذا أصبحت الحلقة مختلفة: أزمة، ثم متآمر، ثم اتهام، ثم أزمة جديدة، ثم متآمر جديد، فإن الدولة تفقد تدريجيًا قدرتها على التعلم من فشلها.
وهذا هو المعنى الحقيقي للتخريب الذاتي. ليس أن تونس تقطع الماء عن نفسها عمدًا، ولا أن السلطة تطفئ الكهرباء، بل أن البحث الدائم عن متآمر - من دون إثبات منشور كافٍ - قد يمنعنا من البحث في الأسباب التي نستطيع نحن تغييرها.
فننشغل بادعاء وجود من قطع الماء بدل إصلاح الشبكة، وبمن قيل إنه عطّل الكهرباء بدل مناقشة الإنتاج والاستثمار، وبالمحتكر المفترض بدل إصلاح منظومة التزويد. ثم تتكرر الأزمة، فيعود التفسير نفسه.
السؤال الذي يجب أن يبقى
عندما ينقطع الماء أو الكهرباء، من حق الدولة أن تحقق في احتمال وجود فعل متعمد. لكن إذا أعلنت أن «الأبحاث أثبتت» ذلك، فمن حق المواطن أن يطلب ما يمكن نشره من أدلة ونتائج، وأن يعرف الوقائع التي يستند إليها هذا الاستنتاج.
لكن من حق المواطن أيضًا أن يسأل الدولة: كيف سمحتم بحدوثه؟ وماذا فعلتم حتى لا يتكرر؟
السؤال الأول هو سؤال التحقيق. أما الثاني فهو سؤال المساءلة. والدولة التي تكتفي بإعلان وجود متآمر دون تقديم ما يسمح بالتحقق من الادعاء، ثم لا تجيب عن أسئلة الشبكة والإنتاج والاستثمار والإدارة، لا تكون قد حلت الأزمة؛ بل تكون قد نقلت النقاش من المسؤولية إلى الرواية.
فأخطر ما يمكن أن تفعله نظرية المؤامرة بتونس ليس أن تجعلها تخطئ في تحديد عدوها، بل أن تجعلها تستغني عن مساءلة نفسها.
