صار هناك سؤال بسيط ينبغي أن يقلق كل تونسي قبل أن ينشر تدوينة أو يوقّع مقالًا برأيه: هل سيقودني ما سأكتبه اليوم غدا أمام قاضي التحقيق؟ هذا السؤال لم يكن مطروحًا بهذه الحدة منذ أكثر من عقد. لكنه اليوم، بعد أكثر من ثلاث سنوات على صدور المرسوم عدد 54 لسنة 2022، أصبح سؤالًا يوميًا يطارد الصحفي والمحامي والناشط والمواطن العادي على حد سواء.
يطرح هذا الواقع ثلاثة أسئلة : لماذا كانت حرية التعبير، قبل 2011، قضية مركزية استحقت كل هذا النضال؟ كيف تحوّل نص قُدّم كأداة لمكافحة الجرائم الإلكترونية إلى أخطر أداة زجرية تعرفها تونس منذ الثورة؟ وماذا يعني ذلك فعليًا في الحياة اليومية لمن لا يحمل صفة صحفي أو ناشط؟ الإجابة عن هذه الأسئلة مجتمعة هي وحدها ما يفسر لماذا يتجاوز ما يجري نص قانون واحد، ليصبح مؤشرًا على تفكك تدريجي في الضمانات المؤسساتية التي كان يُفترض أن تحمي المواطن من تعسف السلطة.
لماذا كانت حرية التعبير قضية مركزية قبل 2011؟
لم يكن الصمت خيارًا في تونس ما قبل الثورة، بل كان قاعدة مفروضة بجهاز رقابي متكامل. فقد رمز اسم "عمار 404" إلى سياسة الحجب الممنهج التي انتهجها نظام بن علي على الإنترنت، إذ لم يكن هذا الجدار الرقمي يحجب المواقع الإباحية أو التحريضية كما زُعم رسميًا، بل استهدف أساسًا صفحات الرأي والمواقع المعارضة، وصولًا إلى حجب مواقع منظمات دولية بحجم هيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين. وقد دفع المدوّن زهير اليحياوي، مؤسس موقع "تونيزين"، ثمن هذه السياسة حياته: شهيد الانترنت اعتُقل سنة 2002 بعد نشره مقالات ساخرة من النظام، وتوفي سنة 2005 إثر إضراب عن الطعام وتدهور صحي خلّفته سنوات السجن، ليتحول اسمه إلى رمز يُستحضر كل 13 مارس في اليوم الوطني لحرية الإنترنت.
هذا التاريخ القمعي هو ما يفسر لماذا لم تكن حرية التعبير، حين اندلعت الثورة، مطلبًا ثانويا بين مطالب أخرى، بل كانت الشرط الذي بدونه يستحيل تصوّر أي مسار ديمقراطي لاحق: فمن دون كسر جدار الصمت المفروض، لم يكن ممكنًا لا كشف الفساد ولا تنظيم الاحتجاج ولا حتى تسمية الاستبداد باسمه. ولهذا استقبل دستور 2014 هذا المكسب بضمانات صريحة غير مسبوقة. حيث نص الفصل 31 على حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر، ومنع صراحة ممارسة أي رقابة مسبقة عليها، فيما كرّس الفصل 32 حق النفاذ إلى المعلومة وإلى شبكات الاتصال. لم تكن هذه الفصول صياغة إنشائية، بل ردًّا مباشرًا على عقود من "عمار 404" وضحاياه. وهذا بالضبط ما يجعل التراجع الحالي أكثر إيلامًا من مجرد نكسة تشريعية: إنه استعادة، بأدوات جديدة، لمنطق ظننا أن الثورة طوته نهائيًا.
من الحماية إلى التجريم: كيف عاد الجدار من جديد؟
يستمد المرسوم 54 شرعيته الشكلية من الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المتعلق بالتدابير الاستثنائية، وهو مرجع اعتُبر في حد ذاته محل جدل دستوري واسع. جاء هذا المرسوم سيء الذكر في 38 فصلًا وسّعت بشكل ملحوظ دائرة التجريم في المجال الرقمي، لكن يظل الفصل 24 وحده كفيلا بأن يختصر المشكلة بأكملها: خمسة أعوام سجنًا وخمسون ألف دينار خطية لكل من "ينتج أو يروّج أو ينشر" أخبارًا أو بيانات أو "إشاعات كاذبة" تضر بـ"الأمن العام" أو تبث "الرعب بين السكان"، مع مضاعفة العقوبة إذا كان المستهدف موظفًا عموميًا.
من يحدد ما هو "كاذب"؟ وأين ينتهي النقد السياسي ويبدأ "بث الرعب"؟ لا يجيب النص عن هذه الأسئلة، وهذا بالضبط ما يجعله خطيرًا: فالغموض هنا ليس عيبًا تقنيًا يمكن إصلاحه بتنقيح لاحق، بل هو الوظيفة الفعلية للنص، إذ يمنح النيابة العمومية سلطة تقديرية شبه مطلقة في اختيار من يُلاحَق ومتى. واللافت أن هذا الفصل لم يكن موجودًا في أي من المسودات المتعاقبة لقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية منذ 2009 وحتى 2015، ولا في أي نص عرفته تونس قبل 2011. بعبارة أخرى، لسنا أمام استمرار لأدوات الرقابة القديمة بالحرف، بل أمام أداة تجريمية جديدة تستعيد روحها القمعية بصياغة قانونية عصرية. ورغم أن مبادرة برلمانية لتنقيح المرسوم أُحيلت إلى لجنة التشريع العام منذ أفريل 2025، فإن مسارها لا يزال بطيئًا، فيما يستمر النص نافذًا بصيغته الأصلية دون أي تعديل.
من يدفع الثمن، وكيف يغيّر ذلك الحياة اليومية؟
الإجابة عن سؤال "من يُلاحَق" هي ما يكشف الفارق بين الخطاب الرسمي للمرسوم وواقعه. فبحسب معطيات موثقة، تجاوز عدد الموقوفين على أساسه ثمانين شخصًا حتى نهاية 2024، بينهم معارضون سياسيون وناشطون ومحامون وصحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومستخدمو شبكات تواصل عاديون. أما التقرير السنوي الأخير للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، الصادر في ماي 2026 ويغطي الفترة من أفريل 2025 إلى أفريل 2026، فيقدّم صورة أدق: 154 حالة اعتداء على الصحفيين، و14 ملاحقة قضائية استُند فيها إلى المرسوم 54 أساسًا وإلى المجلة الجزائية في ست مناسبات، وخمسة أحكام سالبة للحرية في حق صحفيين خلال سنة واحدة فقط. وأعلن نقيب الصحفيين زياد الدبار أن ما لا يقل عن 28 صحفيًا وصحفية يوجدون اليوم تحت طائلة تتبعات قضائية بمقتضى قوانين مختلفة، فيما يبقى المرسوم عدد 115 المنظم فعليًا لمهنة الصحافة هو النص الوحيد الذي لا يُستدعى.
لكن الأرقام وحدها لا تنقل الأثر اليومي لهذا المناخ على من لا يظهر اسمه في تقرير. ففي ماي 2026، حُكم على الصحفي زياد الهاني، أحد الأعضاء المؤسسين للنقابة، بالسجن سنة كاملة بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد السلطات، خارج إطار مرسوم الصحافة وبتهم تشهير لم تسبقها أي شكوى فردية. وقد أحصت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان اعتقال ما يقارب 1500 شخص بصفة تعسفية على خلفية مشاركتهم في احتجاجات أو تدوينات نشروها، مثّل القاصرون دون سن 18 نحو 30 بالمئة منهم، وهو مؤشر يكشف أن الملاحقة لم تعد حكرًا على من له ثقل سياسي أو إعلامي، بل باتت تطال أي مواطن يضغط زر "نشر". وتترجم شهادة إحدى الصحفيات هذا المناخ بدقة: فقد أصبحت تحتفظ بدفتر تدوّن فيه كلمة "لا" أمام كل خبير رفض الإدلاء بتصريح خشية المرسوم 54، وتلاحظ أن عدد الرافضين في ارتفاع مستمر، حتى بات "الصوت الواحد" في الإعلام أمرًا تفتقده هي نفسها. هذا هو جوهر الأثر اليومي للمرسوم: ليس فقط من يُسجن، بل كل من يختار الصمت خشية أن يُسجن.
هذا التوسع في الفاعلين المستهدفين توثّقه أيضًا هيئة المحامين التونسيين، التي رصدت في بيانات متكررة إحالة محامين وناشطين ونواب معارضين على القضاء العسكري استنادًا للفصلين 9 و24 من المرسوم، رغم رفضها "المطلق والتام" محاكمة المدنيين أمام هيئة قضائية استثنائية الغاية منها أصلًا الجرائم العسكرية البحتة. فالمسافة بين رجل سياسة يُحال على القضاء العسكري وشاب يُلاحق بسبب تدوينة في القصرين تكشف الفارق الجوهري بين الغاية المعلنة للمرسوم، حماية الأنظمة المعلوماتية، وواقع استخدامه اليومي كأداة لضبط الخطاب العام بمختلف تلاوينه.
حين تغيب المؤسسات التي يُفترض أن تحمينا
يتصل هذا التوسع في الملاحقة بسؤال أعمق: لماذا لا يوقف القضاء أو الدستورهذا المرسوم ؟ فحين صدر المرسوم 54 سنة 2022، كانت تونس أصلًا بلا مجلس أعلى للقضاء بصيغته المستقلة، إذ حلّه الرئيس قيس سعيّد في فيفري من العام نفسه وعوّضه بمجلس مؤقت معيّن من السلطة التنفيذية ذاتها، قبل أن يُتبع ذلك بأمر رئاسي أعفى 57 قاضيًا دفعة واحدة دون محاكمة، رغم صدور أحكام قضائية لاحقة بإرجاع بعضهم لم تُنفَّذ. ومنذ أوت 2023، أي منذ أكثر من ثلاث سنوات، يبقى المجلس الأعلى للقضاء العدلي غائبًا بصفة مؤقتة تحوّلت إلى قاعدة: تسميات القضاة وترقياتهم ونقلهم تصدر اليوم بأوامر رئاسية منفردة خارج أي معيار شفاف، بينما يواجه القضاة أنفسهم ملاحقات على خلفية آرائهم وتدويناتهم، وصولًا إلى فتح تحقيقات ضد رئيسة جمعية القضاة التونسيين بسبب دفاعها عن استقلالية القطاع.
وفي موازاة ذلك، ظل الفصل 125 من دستور 2022، الذي ينص صراحة على إحداث محكمة دستورية من تسعة أعضاء تختص برقابة دستورية القوانين، حبرًا على ورق. لا يوجد عائق قانوني يمنع تركيز هذه المحكمة، بحسب مختصين في القانون الدستوري، بل غياب الإرادة السياسية هو ما يُبقي الفراغ قائمًا. والنتيجة العملية مباشرة وقاسية: لا يملك أي متقاضٍ اليوم مسارًا دستوريًا للطعن في مشروعية الفصل 24 أمام هيئة قضائية مستقلة، بينما تبقى السلطة التنفيذية الجهة الوحيدة القادرة فعليًا على تأويل الدستور دون أي رقيب يحاسبها.
ولم يقتصر هذا التراجع على القضاء والصحافة، بل طال المجتمع المدني ذاته. فقد أكدت منظمة العفو الدولية، في تقريرها الصادرفي أفريل 2026، أن السلطات التونسية "صعّدت من قمعها لحرية التعبير والتجمع السلمي وجميع أشكال المعارضة"، مشيرة إلى استهداف منظمات حقوق الإنسان بتحقيقات وتعليق نشاط و قضايا حل. كما وصفت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في بيان في شهر جانفي 2026، الوضع الحقوقي العام بأنه "حالة تدهور غير مسبوقة". وتترجم هذه الشهادات المتقاطعة، الصادرة عن هيئات ومنظمات مختلفة المشارب، حقيقة واحدة: أن ما يبدو تراجعًا قطاعيًا في حرية التعبير هو في العمق أزمة بنيوية تطال توازن السلط بأكمله. وليس مستغربًا والحال هذه أن تتراجع تونس في مؤشر حرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود من المرتبة 73 عالميًا سنة 2021، والأولى عربيًا حينها، إلى المرتبة 137 سنة 2026، في مسار تنازلي يعكس، أكثر من أي بيان رسمي، حقيقة ما يجري.
بالنهاية و من نشأة "عمار 404" إلى الفصل 24، ومن غياب المجلس الأعلى للقضاء إلى غياب المحكمة الدستورية، يتضح أن ما يجمع هذه المحطات ليس الصدفة، بل نمط متكرر: كلما غابت الرقابة المؤسساتية المستقلة، عاد منطق تجريم الرأي، ولو بأدوات جديدة. حين تجتمع الصياغة الفضفاضة للنص القانوني مع ممارسة قضائية تتسع لتشمل كل حامل رأي، ومع غياب أي مؤسسة قادرة على وقف هذا الاتساع، فإننا لسنا أمام أزمة نص قانوني عابر يكفي تنقيحه لحل المشكلة، بل أمام إعادة تشكيل كاملة للعلاقة بين السلطة والمواطن، حيث يتحول التعبير عن الرأي من ممارسة مواطنية بديهية إلى مخاطرة محسوبة، ومن حق مكتسب بدماء أمثال زهير اليحياوي إلى استثناء يُمنح لا يُمارس. ان تنقيح المرسوم أو الغائه و خاصة الفصل 24 خطوة ضرورية، لكنها تبقى منقوصة ما لم تواكبها استعادة فعلية لاستقلالية القضاء وتفعيل المحكمة الدستورية، وإلا سيظل السؤال الذي افتتحنا به هذا المقال يطارد كل من يحمل قلمًا أو هاتفًا في تونس.
ملخصات وأفكار رئيسية
هاجس الرقابة الذاتية
أصبح التونسيون يطرحون على أنفسهم سؤالاً مقلقاً يومياً: هل ستقودني كتاباتي غداً إلى قاضي التحقيق؟ هذا السؤال الذي تراجع بعد الثورة، عاد بقوة مع المرسوم 54 ليطارد الصحفيين، المحامين، المواطنين والناشطين، فارضاً مناخاً من الرقابة الذاتية الصامتة.
إرث "عمار 404"
كان كسر جدار الحجب والرقابة، الذي مثّله "عمار 404" قبل 2011، شرطاً أساسياً لأي مسار ديمقراطي. دستور 2014 جاء كضمانة لعدم العودة لهذا الماضي، ما يجعل التراجع الحالي استعادة لأدوات القمع القديمة بصبغة عصرية.
المرسوم 54 وتوسيع دائرة التجريم
رغم تقديمه كأداة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، إلا أن الفصل 24 منه وسّع دائرة التجريم بفرض عقوبات سجنية قاسية (تصل إلى 10 سنوات) وغرامات مالية ضخمة ضد كل من ينشر ما تعتبره السلطة "إشاعات كاذبة" أو مساساً بـ"الأمن العام".
السلطة التقديرية المطلقة
خطورة المرسوم تكمن في صياغته الفضفاضة والغامضة؛ فهو لا يحدد بدقة ماهية "الإشاعة" أو "بث الرعب"، مما يمنح النيابة العمومية سلطة تقديرية مطلقة لاختيار من يُلاحق، محولاً النص إلى أداة لضبط الخطاب السياسي والعام.
أرقام مفزعة وملاحقات يومية
تشير الأرقام إلى عشرات الموقوفين بموجب المرسوم. نقابة الصحفيين سجلت 14 ملاحقة وأحكاماً سالبة للحرية في سنة واحدة فقط، بينما أحصت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان آلاف الإيقافات العشوائية، مما يؤكد أن الاستهداف بات يطال الجميع.
غياب المحكمة الدستورية
في ظل حل المجلس الأعلى للقضاء المستقل وغياب المحكمة الدستورية المنصوص عليها في دستور 2022، يفتقد المواطن لأي مسار للطعن في دستورية المرسوم 54، مما يجعل السلطة التنفيذية الخصم والحكم في غياب أي رقابة مؤسساتية.
تراجع المؤشرات الدولية
تراجع تونس في مؤشر حرية الصحافة من المرتبة 73 عالمياً (والأولى عربياً) في 2021 إلى المرتبة 137 في 2026، يعكس واقعاً حقوقياً متدهوراً أكدته تقارير العفو الدولية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
الحل في استقلالية المؤسسات
إن إلغاء أو تنقيح المرسوم 54 هو خطوة ضرورية، لكنها تبقى غير كافية ما لم تترافق مع استعادة حقيقية لاستقلالية القضاء وتفعيل المحكمة الدستورية؛ فغياب المؤسسات الحامية هو ما يحول الكلمة إلى تهمة.
