في واقع بيئي وصحي يزداد تعقيدًا في تونس، وجدت جمعية المساءلة الاجتماعية نفسها أمام مسؤولية أخلاقية ومعرفية لا تحتمل التأجيل، تتمثل في خوض غمار هذا السياق البيئي المتحول ولفهم أعمق لما يطرحه من ارتدادات إيكولوجية وصحية خطيرة مرتبطة بتفاقم ظاهرة التلوث الزراعي.
انطلاقا مما تقدم تكونت لدينا قناعة مفادها بأن السؤال المركزي الذي يجب أن يُطرح وبشدة يتجاوز كونه مجرد سؤال تقني أو قطاعي، بل أصبح سؤالًا وجوديًا يمسّ علاقة الإنسان بأرضه وموارده الطبيعية وصحته ومستقبله.
وأمام هذا الواقع، لم نختر الطريق المألوف في مقاربة المسألة. فلم نكتفِ، رغم أهميته، بالمدخل القانوني والمؤسساتي الذي ظلّ يطبع أغلب الدراسات في هذا المجال، بل سعينا إلى كسر هذا الحاجز المنهجي، وفتح أفق أوسع للرؤية، ينطلق من الميدان ذاته، من الأرض التي تُنتج وتُستنزف في آن واحد. لقد آثرنا الإصغاء إلى أولئك الذين يقفون في قلب هذه المعادلة: صغار الفلاحين، الذين يعيشون يوميًا مع التربة، ويقرأون تحوّلاتها من خلال الخبرة المتراكمة، والاحتكاك المباشر بالدورة الطبيعية للحياة الزراعية، بما تحمله من دقة وتعقيد لا تُختزل في الأرقام والمعايير وحدها، بل تنبع من غريزة التأمل المتأصلة في طبع الفلاح.
هؤلاء الفلاحون ليسوا مجرد متلقين للسياسات وإن كانوا يتأثرون بها ، بل هم شهود على التحولات العميقة التي تمسّ الأرض والماء والغذاء، وهم، في كثير من الحالات، أول من يلتقط إشارات الخطر قبل أن تتحول إلى أزمات بيئية شاملة. ومن هنا، ارتأينا أن نمنح هذا الصوت الميداني مكانه الطبيعي داخل البحث، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من فهم الظاهرة، لا هامشًا يمكن الاستغناء عنه.
وفي السياق ذاته، فتحنا هذا الفضاء البحثي أمام الناشطين الشباب والباحثين الشبان، إيمانًا منا بأن مستقبل هذا الملف لا يمكن أن يُبنى دون إشراك جيل جديد يمتلك حسًا نقديًا، وطاقة اقتراحية، وقدرة على إعادة طرح الأسئلة من زوايا غير تقليدية. فهم ليسوا فقط امتدادًا للحاضر، بل هم أيضًا حاملو ملامح المستقبل في هذا المجال الحيوي.
ذلك في إطار شراكة مع مؤسسة فريدريش ناومان للحرية، التي تولي أهمية خاصة لدعم المبادرات الشبابية وتعزيز قدراتها، بما يعزز قيم الحرية والمواطنة الفاعلة.
لقد انطلقنا كذلك من قناعة راسخة مفادها أن التطرق إلى مسألة التلوث الزراعي لا يمكن أن يُختزل في كونه نقاشًا تقنيًا أو بيئيًا صرفًا، بل هو في جوهره فعل ديمقراطي بامتياز، يعكس درجة وعي المجتمع بحقّه في التساؤل والمساءلة حول جودة بيئته والمحيط الذي يعيشه، وحول الجهات المسؤولة عن ضمان الحد الأدنى من معايير السلامة البيئية والصحية. حيث يعتبر ما تقدم ممارسة للمواطنة في أعمق معانيها، حين يصبح السؤال ذاته جزءًا من الحق في الحياة الكريمة.
وعليه، فإن هذا العمل لا يطمح فقط إلى تقديم تحليل علمي للظاهرة، بل يسعى إلى إعادة الاعتبار للصوت الميداني، وربطه بالإطار القانوني والمؤسساتي، في محاولة لبناء قراءة شاملة، جريئة، ومؤسسة على التلاقي بين المعرفة والخبرة، بين النص والواقع، وبين القانون والحياة اليومية. وهي فرصة لتجديد الدعوة وفتحها اكثر لإعادة التفكير في علاقتنا بالأرض، قبل أن تكون مجرد دراسة حول التلوث الزراعي.
جمعية المساءلة الإجتماعية- Social Accountability Association

